AMI

اجتثاث الظلم حصانة للأمة بقلم: أحمد ولد مولاي امحمد a.moulaye.md@gmail.com

تعرف بعض دول شبه المنطقة حراكا شعبيا رافضا لحالات متشابهة من الظلم والقهر والاستهانة بكرامة الإنسان وحقه في الحياة الحرة الكريمة، وهو حراك لم يتوقعه الكثيرون ممن راهنوا على خبرتهم في قمع الشعوب وإحكام قبضتهم الأمنية عليها، وهي “حالة” تتطلب النظر في أبعادها ودلالاتها وفي أسبابها الحقيقية والتي يمكن اختصارها – برأيي- في الظلم الذي مارسته بعض الأنظمة ضد شعوبها لدرجة لم تعد تلك الشعوب تستطيع غض الطرف عنها أو تحملها بعد طول عناء…
وأعتقد أنه من الأهمية بمكان الاستفادة من تجارب الأمم والشعوب، إذ يجب أن تستفيد الأنظمة من تجارب الأنظمة والشعوب من حولها، وذلك لتفادي الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها بعض الأنظمة وكذا تفادي بعض الممارسات المشينة التي كانت بعض الشعوب ضحية لها، وأولها الظلم الذي تكرسه بعض الأنظمة من حولنا لدرجة يصبح لدى بعضها بمثابة إكسير حياة للحكام، في حين يكتشف الجميع أن لكل شيء حدوده بما في ذلك صبر الشعوب على المعاناة وعلى القهر والجوع والفقر وألوان المعاناة….
في موريتانيا، ثمة أمل، وتفاؤل بغد أفضل، يعتقد الكثير من المراقبين أنه أمل يتجسد من خلال استيعاب نظام الحكم القائم لأولويات المرحلة ولتطلعات الشعب واهتماماته، رغم التفاوت في قراءة طبيعة التعاطي مع تلك الأولويات وحتى مع اهتمامات المواطن، وهي ظاهرة صحية في جميع البلدان الديمقراطية التي تتعدد فيها الآراء وتختلف فيها وجهات النظر وقراءات الواقع وتجلياته، غير أن الأمر الذي لا يمكن أن يكون محل خلاف بين فرقاء المشهد الوطني، من سياسيين ومثقفين وإعلاميين وصناع قرار، هو رفض ممارسة الظلم البيّن على المواطنين، مهما كانت مواقعهم واهتماماتهم، فهل يتفق الجميع على أننا في بداية عهد جديد من التعاطي البناء والشفاف مع مختلف تلك القضايا بما فيها العمل الدؤوب على اجتثاث الظلم بكل تجلياته، وأن ما ينقصنا هو التأني حتى نقطف الثمار؟
قد يرى البعض في الآليات المتبعة، آليات وأدوات ناقصة وغير كافية مما يتطلب المزيد من المثابرة والسعي الحثيث لمعالجة هذا الإشكال الذي هو أصل الداء، في كل زمان ومكان، ولذلك قيل: “إن العدل أساس الملك”، وهو ما يتأكد عبر مراحل التاريخ وأعمار الكيانات والدول على مر التاريخ، مما يتطلب اهتماما أكبر بالقضاء من حيث استقلاليته عن السلطة التنفيذية ونفاذ أحكامه وابتعاده عن كل أشكال التأثير الخارجي لنضمن بذلك إرساء أسس سليمة للعدل الذي هو أساس الملك كما ذكرنا.
صحيح أن الحاكم في النظام الديمقراطي يتلقى مختلف أنواع النقد وكافة أشكال المظالم عبر وسائل التعبير الحرة المتاحة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه دائما هو: ما مدى استجابة الحكام لتلك المظالم؟ وما طبيعة تعاطيهم معها؟، وهل يتم ذلك بما يكفي أم أنه لا يتم أصلا، وهل يدير جل الحكام ظهورهم لمظالم الأفراد والشعوب على اختلاف تدرجها؟
حين تجد أنك في بلد تنتمي إليه بكل جوارحك وتعاني فيه الظلم البيّن وليس ثمة عدالة ولا قضاء ولا سلطة تنصفك فكيف ستكون ردة فعلك؟ ليس تجاه الحاكم فحسب بل تجاه بلدك كله؟ هناك بالتأكيد مرارة وإحباط ويأس والله وحده يعلم أين ستقودك تلك المواقف والأحاسيس مجتمعة؟
ومهما كانت أسباب الظلم ومصادره المباشرة فسيظل الحاكم أيا كان، هو من يُحمّل مسؤولية ذلك، لأنه باختصار هو المؤتمن على حياة الأفراد ورفاهيتهم وعلى ومصائرهم، وبالتالي فكل حالة حنق وغضب ستنتهي إليه قبل أم لم يقبل، لذلك والحال هذه، فكل حاكم عادل مؤتمن مسؤول عن كل رعية يأتمن عليها أحدا من أفراد السلطة والحكم مهما كانت درجة المسؤولية الملقاة على عاتقه، وبذلك تتأكد أهمية : الرجل المناسب في المكان المناسب، وذلك لتفادي الاختلالات التي قد تفضي إلى الشكوى والتذمر من بعض ممارسات المسؤولين على اختلاف تدرجهم في المسؤولية…
والظلم قد يدفع البعض إلى أن يحل محل السلطة في الاقتصاص لنفسه وتطبيق القانون نيابة عنها، وهو أمر في غاية الخطورة باستمرار لأن الفرد يجب أن يخضع للقانون وللنظام مهما كان عليه الأمر، لكن حالة اليأس من مبادرة تأتي ممن يسهرون على تطبيق القانون والسهر عليه قد تدفع بالفرد إلى تبني موقف كهذا في حالة إحباط تتملكه وهو في حالة أشبه باللاوعي تحت وطأة الظلم وبفعل وقعه على نفسه.
وفي كل زمان ومكان، ثمة من يعانون الظلم وبدرجات متفاوتة، غير أننا مطالبون باستمرار بإعطاء الأولوية لرفع المظالم ولإرساء أسس العدل والإنصاف سواء في دوائر العمل الرسمي من إدارة ومحاكم أو في الشارع والبيت وفي معاملاتنا اليومية على اختلافها وتنوعها، لأن “الظلم مرتعه وخيم”، كما يقال، لذلك فلا بد من معالجة كافة القضايا ذات الصلة بمظالم الأفراد أو المجموعات، وإرساء قواعد سليمة للتعاطي مع مختلف أنواع المظالم قديمها وما يستجد منها، وبذلك وحده نُحصّن كياننا وأمتنا مما جرف يجرف كيانات أخرى لم تكن تتوقع أن تطالها عواقب ظلم حكامها ومعاناة شعوبها على النحو الذي رأيناه ونراه من حولنا يوما بعد يوم…
ولا شك أن الإرادة الجادة لصناع القرار في بلدنا الحبيب تدفع باتجاه إرساء قواعد العدل والإنصاف، والحاجة ماسة إلى المزيد، وهو ما يدفعنا للتفاؤل بغد أكثر إشراقة من الأمس القريب، ونحن نطالب باستمرار بأن تظل هناك آليات أكثر شفافية ونجاعة في التعاطي مع مختلف ألوان معاناة أفراد الأمة والشعب، مهما كانت مواقعهم في هذا الكيان الذي يجب أن نحرص على صيانته وعلى أمنه وسلامته من كافة ألوان الانتكاسات التي يكون الظلم بكل ألوانه سببها الأول والأخير…

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد