AMI

حتى تتخلص الأمة من الغلو والتكفير…

الغلو في الدين هو أخطر آفة تواجهه أمة الإسلام وهو من عوامل الهدم الذاتي وأحد أبرز معوقات التقدم والتنمية، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من الغلو في الدين، ففي حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته “إلقط لي حصى”. فلقطت له سبع حصيات هن حصى الحذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: (أمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين).
وقال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: “هلك المتنطعون” قالها ثلاثا. قال الإمام النووي رحمه الله في شرح الحديث: (المتنطعون): أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.
ويتبين لنا من ممارسات بعض شباب الأمة من التكفيريين الغلاة أن أفعالهم وأقوالهم تتطابق مع أوصاف المتنطعين الغلاة كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والسلف الصالح، فمن أفعالهم استباحة أرواح المسلمين والتمثيل بجثثهم وترويع الآمنين من المسلمين، وكلنا يعلم أن جيوش الإسلام تتقيد بتعاليم رسول الله في الحروب والفتوحات والغزوات، حيث يمنع على المقاتل المسلم الإجهاز على الجريح أو التمثيل بالقتيل أو التعرض للنساء والأطفال والشيوخ والعزل من السلاح بل وأكثر من ذلك قطع الأشجار إلا لضرورة وقتل الأنعام إلا للحاجة الملحة…إلخ.
وقد قال تعالى {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل}، وقال جل من قائل: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} صدق الله العظيم.
ومن مظاهر آفة الغلو تكفير من يخالفنا الرأي إذ لا مجال لدى الغلاة في تعدد الاجتهادات الفقهية حيث تتحول المسائل الظنية إلى قطعية لا يقبل فيها الغلاة اجتهادا ولو كان مؤصلا شرعا، بل إن الأحكام الشرعية الخمسة المعروفة لدى المسلمين تحولت إلى حكمين فقط: حرام وواجب؟! ولو أن كل مسلم ترك لأخيه ما اختلف معه فيه من المسائل الظنية لما كان للغلو مكان بيننا، غير أن الجهل بالدين من جهة وانتشار الفواحش والمنكرات واستباحة أراضي المسلمين وأعراضهم من قبل غير المسلمين من جهة أخرى إلى جانب الفقر والعوز والبطالة تعد من أشد عوامل انتشار الغلو كفكر وكعقيدة يؤمن بها من لم يتعمقوا في العلم فأصبحوا فريسة سهلة لمنظري الغلو التكفيريين الذين يعتبرون غيرهم من المسلمين كفارا ويرون في استباحة دماء المسلمين وأنفسهم وأعراضهم جهادا وفي العمل الانتحاري الذي يستهدف المسلمين استشهادا.
وفي حرمة استباحة أعراض المسلمين ودمائهم قال ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال: “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر” متفق عليه. فأي كفر فوق قتل المسلم والتمثيل به، وقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: “ويحكم أو ويلكم لا ترجعوا بعدي كفارا يقطع بعضكم رقاب بعض” سنن ابن ماجه.
صحيح أن الغلو يجعل صاحبه على قناعة تامة بأن من لا يوافقه الرأي والاجتهاد ليس إلا كافرا والعياذ بالله، وهو ما جعل هؤلاء يستبيحون قتل المسلمين الذين ليسوا من الغلاة التكفيريين؟! والله تعالى يقول في محكم تنزيله: {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعاً} وقال تعالى {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النّفس التي حرّم الله إلا بالحق} وقوله تعالى {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما}.
إن ديننا الحنيف هو دين الرحمة والسلام فقد قال نبي الرحمة الذي جاء ليؤمن للبشرية حق الحياة ويبين حرمة الدماء “لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً”. وقال عليه الصلاة والسلام “كل ذنب يغفر إلا من قتل مؤمنا متعمدا”، وفي حديث آخر “قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا”.
ومن قول ابن عمر رضي الله عنه (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله)..
ومن مخاطر الغلو أن كل جماعة من الغلاة تلتقي على أرض تقيم فيها “إمارة إسلامية” لها حدودها وقوانينها ومصادر تمويلها- غير الشرعية غالبا كالتهريب وتجارة المخدرات واختطاف المعاهدين- ولها طبعا فكرها وتنظيرها والذي يأتي في الغالب من التنطع والتكفير.
وأعتقد أن مثل هذه الإمارات في أرض الإسلام هي خروج على الجماعة وتفريق لها ولجهودها في البناء وإضعاف لشوكتها، وإذا استمر الوضع على هذا النحو فستتحول الأمة- لا قدر الله- إلى إمارات “إسلامية” متناحرة يقتل بعضها بعضا ويغير بعضها على البعض الآخر، كما حصل في الأندلس وفي غيرها.
إن على علماء الأمة وفقهائها ومثقفيها القيام بواجباتهم في تنوير شباب المسلمين وتوعيتهم بمخاطر الغلو والتطرف والتكفير وما يتسبب فيه الخروج على الجماعة من مخاطر على الإسلام والمسلمين، وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة التي هي أمضى من السيف وأنجع من كل سلاح آخر.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد