AMI

جائحة شركات الاتصال سيدي ولد أب

حظ ونصيب شركات الاتصال من أرزاق وأقوات الناس في بلدنا كبير جدا،تشاركهم في الدنانير و الدريهمات التي لا يكسبها سوادهم الأعظم إلا بشق الأنفس، وبعد أن ينال منهم الكد والكدح في سبيل تأمينها لأسر، أفرادها – يستوي في ذلك من بلغ الحلم أو بلغ من الكبر عتيا- يوثرون على أنفسهم- بالقيل والقال وكثرة السؤال، عن الذي لا يفيدهم في أحوال معاشهم أو أمور دينهم- تزويد خزائن شركات تبيع الكلام مجرد الكلام.
فالشركات المتعهدة في مجال توفير خدمات الاتصال، على فروق بسيطة بينها، تضع يدها على كل درهم أو دينار يدخل جيب مواطن موريتاني، في أي بقعة من أرضنا المترامية الأطراف،وكأنها تتمثل ولو بتصرف وتحوير بسيط مقولة الخليفة العباسي هارون الرشيد، يخاطب فيها سحابة أظلته”في أي مكان شئتِ أمطري فسيحمل إليّ خراجك إن شاء الله “.
لقد مثلت هذه الشركات منذ أن بدأت في فرض قواعدها وإيقاعها الخاص في تقسيط تحاورنا ،نزيفا لدخول وثروات الأفراد والأسر، في مجتمع عرف عنه نزوعه إلى توليد الكلام لذاته، والميل الفطري إلى النقاش واستكناه ما وراء كلمات من يخاطبه، مستغلة في ذلك ترهل وضعف وربما تواطأ وسائل رقابة جودة ونجاعة الخدمة الاتصالية التي تقدمها، وشيوع ثقافة الاستهلاك في أوساط المجتمع، بتأثير من وافد المدنية الحديثة.
فقد تصادف الأسرة الفقيرة التي لا تجد قوت يومها، يقدم أفرادها الحصول على رصيد تلفوني على ضروريات حياتهم، إلى حد أن يبيتون ليلتهم دون أن يدخل منزلهم الأسودان،يعمرونه بحديث معاد مكرور ، يعيدون من خلاله دبلجة المسلسلات الأجنبية لفائدة من فاتهم الاستماع من المعارف والأصحاب والخلان، يسمرون الليل ولا يسكتون عن الكلام المباح في النهار،إلا لضرورة البحث عن تزويد أرصدة هواتفهم، ومعاودة عمل سيزيفي لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد.
هذا النزيف المستمر لثروات المواطنين والاقتطاع المفروض من دخولهم المحدودة أصلا، لحساب وفائدة شركات اتصال، لا تطور أو تحسن من الخدمة التي تبيعها لزبنائها، والتي على أساسها أثرت على حساب لقمة عيشهم، لم يجعلها تستحي وتراجع وتحاسب نفسها، أو تحد من نهم الأرضة الذي يحكم تعاملها مع زبنائها، وإنما أبدعت تقنيات جديدة في مجال التحايل على المواطنين، ونصب شراك صيد لثرواتهم، عبر خلق ثقافة تدمن استهلاك بضاعة بيع ثرثرة الهواتف، ترتهن جيوب المواطنين، لتتسلل إلى عقولهم، وتشيع سلوكا استهلاكيا بين المجتمع أصبح يعتبر الإنفاق على الهاتف ومتعلقاته لكل فرد من الأسرة من الضروريات الأساسيات.
ولو أن شركات الاتصال التي نعنيها استثمرت الأموال الطائلة التي تقتطعها من فقراء البلد في ما ينفع الناس، ويمكث بينهم ويرد عليهم بعضا من الذي فقدوه من ثرورة في غير أوجه صرفها، لالتمسنا لها بعض العذر في ما اقترفته في حق سكان البلد المولع أهله بتسديد الفواتير، لكنها تعيد غسيل هذه الأموال وترحلها خارج البلد، في عملية نهب منظمة للثروة الوطنية ندفع ثمنها من تنمية البلد وتطلعه إلى حياة أفضل، غير مغشوشة كالتي توحي بها قشور مدنية شركات الاتصال لدينا.
ولكن الاستمرار في تحميل هذه المؤسسات لوحدها المسؤولية دون غيرها ، لا يخلو من تجن وتعسف، يعفي أطرافا أخرى فاعلة، ولديها ما تفعله لتصحيح الخلل وتقويم الاعوجاج إذا توفرت على الإرادة وامتلكت الجرأة، على اختيار جانب المصلحة العامة على ما سواها من مصالح مراكز النفوذ، التي تمثلها شركات الاتصال ،ومن يدور في فلكها من أصحاب المال والنافذين ومستغلي النفوذ.
وأول هذه الأطراف التي نعتقد أنها تتحمل الجزء الأكبر والمهم من المسؤولية في وضع كهذا- بالإضافة طبعا إلى عقلية الإنسان الموريتاني التي أومأنا لها آنفا- الجهاز الكبير الطويل العريض الذي تمثله سلطة التنظيم، فهي التي تركت الحبل على الغارب لشركات الاتصال، لتفعل ما تشاء، بتغاضيها عن تردي خدماتها في مقابل ما تجمعه من ثروات هائلة يذهب ريعها وراء الحدود.
كما أن هذا الجهاز باعتباره صاحب الولاية على الشركات المتعهدة بخدمات الاتصال، والذي أعطاها الرخصة للعمل في البلد يتحمل مسؤولية أخلاقية في تبصير وتنوير الناس بالتزامات هذه المؤسسات اتجاه زبنائها، فما يعرفه الموريتانيون حتى الآن حول هذا الموضوع، أن لديهم أسفارا من دفاتر الشروط عليهم الوفاء بها اتجاه شركات الاتصال، من بدايتها الى نهايتها، دفع وتسديد مسبق ومؤخر ، سريع وطويل.. الى ما هنالك من بحور الغرامات والجزاءات التي أصبح الكل يحفظها عن ظهر قلب.
أما الطرف الثاني الذي يتحمل نصيبه من المسؤولية، فتمثله الدولة التي عليها أن ترتب ضرائب على هذه الشركات تتناسب مع ما تجنيه من ثروات وأموال طائلة، وبتكاليف تشغيل زهيدة، مما يحقق فائدة مزدوجة ، فمن جهة يساهم في تغذية الخزينة العامة بأموال هي في أمس الحاجة إليها، ومن جهة ثانية يحد من هوس الاستخدام الجنوني للهواتف النقالة، من طرف المواطنين، ويساهم ولو بمرور الوقت في إقلاعهم عن عادة الإدمان على معاقرة الاتصال لسبب وبدونه، التي لها نصيب الأسد في ارتهاننا لمشيئة شركات الاتصال.
وحتى يصل من لديهم الحل والعقد الى قناعة بضرورة تغيير قواعد اللعبة مع هذه الشركات، لصالح مستهلكي خدمات الاتصال، ولفائدة البلد ومراعاة للمصلحة العامة، التي من المفروض أن تكون البوصلة التي يهتدي بها أصحاب القرار، وليست أشياء أخرى، من بقايا حقب نجاهر الآن في إعلان البراءة منها، سنداوم ما استطعنا الى ذلك سبيلا التنبيه والإشارة الى جائحة اسمها شركات الاتصال، الى أن يثبت العكس.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد