AMI

خطاب الرئيس أمام سكان ولاية نواذيبو

عقد العقيد اعل ولد محمد فال رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، رئيس الدولة، مهرجانا بمدينة نواذيبو حث فيه جميع الموريتانيين على التصويت للدستور المقترح للاستفتاء في الخامس والعشرين يونيو القادم،باعتباره العمود الفقري لنجاح الديمقراطية في البلاد والضامن للتداول السلمي للسلطة.

وهذا نص خطاب رئيس الدولة أمام سكان مدينة نواذيبو:

“بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله،

لقد جئت اليوم لمدينة انواذيبو لأحدثكم عن قضية أساسية ومصيرية بالنسبة لبلادنا.

ولكن قبل أن أتناول هذه القضية بالتفصيل، أود أن أعبر لكم باسمى وباسم المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية وباسم الحكومة الانتقالية، عن شكرنا لكم على حضوركم بهذا العدد الكبير .

وأيا كانت دواعى وجودكم اليوم،أكانت قناعات شخصية، أو استجابة لتوجيه من أحزاب سياسية، أو منظمات مدنية، فإننى أشكركم على وجودكم اليوم معنا، وعلى اهتمامكم بالقضايا الوطنية التى سأتحدث إليكم عنها.

إن النقطة الأساسية الأولى التى استدعت حضورى هنا اليوم، هي أن أحاول إبراز مدى أهمية إنجاح الدستور فى الخامس والعشرين من يونيو المقبل باعتبار ذلك قضية أساسية.

ولكن لماذا نعتبر نجاح الدستور قضية أساسية ومصيرية لشعبنا ولبلدنا، وكذا بالنسبة لتطوير نظامنا السياسي؟ وماذا سيحدث هذا الدستور فى صيغته المقترحة؟.

وللإجابة عن هذه الأسئلة أقول إن الدستور يستحدث ثلاث أمور أساسية، سأشرح لاحقا أهميتها في تطوير النظام السياسي لبلادنا.

وتتمثل أولى هذه النقاط فى تقليص مأمورية رئيس الجمهورية لتصبح خمس سنوات بدل ست.

أما النقطة الثانية، فهي أنه لم يعد بإمكان أي مواطن موريتاني أن يبقى فى منصب رئيس الجمهورية أكثر من عشر سنوات.

وأما النقطة الثالثة، فهي النص دستوريا على منع تعديل المادتين المتعلقتين بفترة مأمورية الرئيس وعدم قابلية الانتداب لمنصب الرئاسة أكثر من مرتين، مدة كل منهما خمس سنوات.

لكن ما ذا يعني كل هذا بالنسبة لنا؟.

إن المشكل السياسي الذى عانينا منه دائما هي أنه عندما يتسلم رئيس ما مقاليد الحكم، يصطحب معه جهازا سياسيا يمارس من خلاله الحكم، ويحوله عبر الزمن إلى بديل عن أجهزة الدولة، فيسيطر عليها، ويوجهها كما يريد، ويسيرها بالطريقة التى تروق له، ويتعامل مع قضايانا السياسية والاقتصادية كما يحلو له.

ويعود هذا لسبب بسيط، هو أنه عندما يستولى الحاكم وجهازه الذى يخدمه على الدولة، وتندمج أجهزة الدولة بالجهاز السياسي للحاكم، فإن الحاكم يكون قد استولى على أمورنا بصورة نهائية، ويستطيع أن يسيرها كما يشاء وحسب الفترة التى يرغب فيها.

وإذا كان الأمر كذلك فما هي النتائج التي قد تنجم عن ذلك ؟

إن النتيجة الحتمية لذلك أن الشخص يستمر فى الحكم عشرين أو خمسة وعشرين، أو ثلاثين عاما، وبعد هذه الفترة يظن أن الدولة أضحت ملكا شخصيا له، يسوسه حسبما يحلو له، وبالشكل الذى يراه، ولمصلحة من يريد، وهو في كل هذا يعتقد أنه ليس مسؤولا أمام أي كان، ولا مجبرا على تبرير ما يقوم به، وحينما يشعر الإنسان أن لا سلطة عليه، فإنه يفعل ما يشاء.

والإنسان يبقى دائما إنسانا، يبدأ متزنا، ثم ينحرف حتى يصل إلى درجة ادعاء الربوبية، فيقول:”أنا ربكم الأعلى” و”سأفعل بكم ما أريد” إلى غير ذلك.

وتلك هي السلبية التى تترتب عن عدم تحديد مأمورية رئيس الجمهورية وتركها خاضعة لرغبة من يتولى الحكم، لا لإرادة ومصلحة الشعب.

ومن النادر أن يعود لجادة الصواب شخص وصل لدرجة الطغيان تلك،شخص تدفعه جماعات لمآربها وتسخره لمصالحها.

وكما سبق لى أن قلت، فإن هذا الشخص عندما يمكث فى الحكم عقدين أو ثلاثة عقود، فلا بد أن يوصل البلاد لأوضاع كالتى عرفناها، لأن خضوع مصالح البلد السياسية والاقتصادية لتصرفات فردية، لا بد وأن يؤدى للمزيد من المشاكل.

وللأسف الشديد فإننا إذا راجعنا الحسابات بعد إزاحة هذا الشخص عن الحكم، فسنجدها دائما حسابات سلبية، ونكون بذلك قد خسرنا عقودا من عمر الدولة لا يمكن بحال من الأحوال تعويضها.

ذلك أنه بالإمكان إزاحة هذا الشخص عن السلطة، أو طرده، أو سجنه، كما أنه قد يضطر للتخلى عن الحكم فى مغبة حرب أهلية، إلا أن ما خسرته الدولة الموريتانية، وخسره الشعب الموريتاني سياسيا واقتصاديا، يستحيل تعويضه واسترجاعه.

ولكي لا نصل إلى وضع كالذى وصفناه، فقد اقترحنا ضمن التعديلات الدستورية تحديد مأمورية الرئيس بولايتين، مدة كل منهما خمس سنوات لا أكثر.

ومن شأن هذا التعديل أن يحقق أمرين، أولهما فصل الدولة عن الجهاز السياسي للحاكم، فما لم يتم فصل الدولة عن هذا الجهاز فلن تتحقق أية نتيجة، لأنه إذا استمر شخص فى الحكم لعقود عديدة، واستمر تحكم جهازه السياسي فى شؤون الدولة ملغيا دورها، فستسقط بسقوطه وسنضطر لاستئناف البناء من جديد ضمن عمل سيزيفي عبثي لا نهاية له.

وهذا أمر غير مقبول ولا يمكن أن يستمر بحال من الأحوال.

إن فصل الجهاز السياسي عن الدولة يعنى استقلالية أجهزتها، بحيث يمارس الرئيس المنتخب جميع السلطات التى يخولها له الدستور دون المساس بالدولة وأجهزتها التى لا يمكن أن يتحكم فيها حزب سياسي.

ومن شأن هذا أن يبقي الدولة وأجهزتها للجميع وفى خدمة الجميع، وأن يجعلها ضامنة لوجود الوطن ومصالحه، غير مرتبطة بجهاز سياسي معين ولا بشخص محدد؛فقد ينتخب الشعب الموريتاني رئيسا لمأمورية أو مأموريتين، ثم يخلفه رئيس منتخب آخر غير أن ذلك يجب أن لا يمس من وجود الدولة وأجهزتها.

ومدار النقطة الثانية التي أود الإشارة إليها، واسمحوا لي أن أكررها من جديد إذ لا ضير في ذلك، هو أن أي نظام سياسي مهما كانت طبيعته، لا بد أن يولد نقمة ما لدى البعض، غير أنه إذا طال أمد تلك النقمة لعقدين أو ثلاثة أو أربعة عقود، فمن المؤكد أنها ستنفجر وستتحول ذات يوم إلي أزمة حقيقية قد تفضي بالبلد إلي حرب أهلية أو تؤدي لانقلاب عسكري.

أما في حالة ما إذا كانت مأمورية نظام ما محددة بخمس سنوات، وجري التناوب علي السلطة طبقا لما يحدده الدستور، فإن ذلك سيكفل قيام سلطة منتخبة، يؤدي ظهورها في كل مرة، للتلاشي المطرد للنقمة المتولدة عن التراكم، مما سيحول دون تعرض البلاد للمشاكل التي سبقت الإشارة إليها.

ثمة نقطة ثالثة تعتبر أساسية بالنسبة لنا، وهي أن لكل بلد مشاكل وطنية تظهر وتختفي من وقت لآخر، وفي حالة ما إذا كان المتصدي لها دائما هو الشخص نفسه، وبنظرة قاصرة وأسلوب نمطي، فإنها لن تلبث أن تتحول إلي قضية ترتبط بشخص الحاكم بحيث يعتبر الإدلاء بأي رأي مغاير، معارضة لشخصه لا بحثا مشروعا عن الوصفة المناسبة!

لا بد إذن من توفير الظروف المناسبة، لانبثاق متجدد للطبقة السياسية، حتى تنال القضايا المطروحة، ما تستحقه من دراسة وتقييم، وليكون القرار المتخذ بشأنها صائبا.

أما النقطة الرابعة، فتتعلق بظهور طبقة سياسية بديلة.. وهذه لن تظهر في ظل حكم مستبد، لأنه لا يقبل الرأي الآخر بل ويضايق الساسة المخالفين مما يبقي الساحة خالية من أي بديل سياسي. وفي ظل نظام يضمن التبادل علي السلطة تظهر الطبقة السياسية البديلة التي لا بد منها.

ومن النقاط الإيجابية في التناوب علي السلطة كذلك، قطع الطريق أمام كل من يحاول تغييرا للسلطة بشكل غير دستوري.

إنه يجدر بنا أن نتساءل لماذا لم تشهد بلادنا أي تغيير للحكم منذ الاستقلال وحتى اليوم إلا بواسطة انقلاب عسكري؟

السبب في ذلك واضح ويكمن في الانفراد بالسلطة الذي يؤدي دائما للقيام بتصرفات غير منسجمة مع مصلحة البلاد بل تعرضنا وتعرض البلاد للانهيار مما يتطلب تغييرا للسلطة بالطرق التي عرفناها عبر تاريخ دولتنا الحديثة..

والواقع أنه ليس أمامنا من خيار سوي تبني المقترحات الواردة في الدستور التي تكرس التناوب علي السلطة وتمكننا من التحكم في شؤوننا والرقي بدولتنا.

وفي حالة ما إذا لم نتبين اهمية هذا الخيار، فإننا سنبقي كما كنا، عرضة للانقلابات وللانفراد بالسلطة على حساب المصلحة الوطنية، وسنبقي أسرى عقلية الحزب الواحد التي هي تجربة الحكم الوحيدة التي عشناها علي مدي العقود الماضية.

إنه لا مجال للخروج من هذه الدوامة إلا بالمصادقة علي الدستور المقترح عليكم والمعروض للاستفتاء يوم 25 يونيو 2006.

وأدعوكم جميعا للتوجه إلى صناديق الاقتراع في هذا اليوم للتصويت بنعم للدستور.

قد يقول البعض إن من أنعم النظر في التعديلات الدستورية يجدها مجرد أحلام أو طموحات..

وللرد أقول إن من لا طموح له، لا يمكن أن يحقق شيئا في الحياة.

إن من لا طموح له تعتبر حياته جامدة ومن كانت حياته كذلك فهو يعتبر في عداد الأموات.

أما نحن فلدينا الحق في الطموح، وطموحنا لشعبنا طموح كبير للغاية، وطموحاتنا لبلادنا طموحات لا حدود لها..

نعم نطمح ونأمل ولا حدود لذلك أبدا، لكن طموحنا يظل مع كل ذلك طموحا مشروعا، طموح أشخاص واعين جادين في تحقيق ما يصبون إليه.

قد يقول بعضهم إن هذا حلم لا يمكن تحقيقه إلا في دولة ذات خصائص معينة.. إنني أقول لهؤلاء إن الشعب الموريتاني شعب واع ومؤهل لاختيار قيادته التي ظلت تفرض عليه من قبل زمرة معينة.

إن أولئك الذين يريدون بقاء البلد تحت سيطرة ثلة قليلة تتصرف كيف شاءت في اقتصادنا وفي شؤوننا هم الذين يشككون في أن هذا الشعب الأبي قادر اليوم علي أن يفرز من بينه رئيسا يحكم البلاد ويسير بها نحو الرقي.

وأنا متأكد من أن شعبنا وطبقته السياسية خاصة، سيخوض هذه التجربة بنجاح ليضمن غدا مشرقا لبلادنا..

وإنني أسأل المتخوفين من مستقبل هذه التجربة عما هو البديل؟ البديل هو التجربة التي خضناها في الماضي وأورت دولتنا عدة مرات موارد الخطر والاضمحلال..

وإنني أفضل تجربة مجهولة لكنها تحمل الأمل علي تجربة متأكد من أنه لا أمل فيها..

مرة أخري أرجوكم حسم اختياركم والاتجاه بالبلاد نحو مستقبل واعد، وذلك بالتصويت لصالح الدستور الجديد.

هناك قضية أخري تحدثت عنها أمس في ازويرات، وأريد أن أحدثكم عنها اليوم لأنها من القضايا المستعصية علي الفهم..

فمنذ تغيير الـ 3 أغسطس أطلقت الحريات للجميع خاصة حرية التعبير، وأصبح كل شخص بإمكانه أن يعبر عن رأيه دون خشية. فمنذ ذلك التاريخ لم تصادر أية جريدة وأطلق العنان لمن يريد أن ينتقد بما في ذلك الأجهزة الرسمية.

ولكن من الغريب أن البعض ما زال يستعمل أسلوبا للنشر عفا عليه الزمن هو أسلوب “المناشير”.

ومن يختار هذا الأسلوب يدرك أن ما يرد في هذه “المناشير” زور وبهتان وتشويه لسمعة البلاد ليس إلا، لأنه لو كان ما يرد في هذه المنشورات حقائق ووقائع لما لجأ أصحابها للتوقيع بأسماء مستعارة وللتخفي وراء المواقع الإلكترونية.

وإن الغرض من مثل هذه الممارسات هو إبراز بلادنا علي أساس أنها تشهد “انسدادا سياسيا” وهذا غير صحيح، فبلادنا تشهد انفتاحا حقيقيا.

وكما سبق أن قلت، فبعض أصحاب هذه المناشير يكتبونها من أجل أن تبحث عنهم السلطات وتقوم باسترضائهم بواسطة تعيينات في مناصب سامية.

وأؤكد أننا قد تجاوزنا مثل هذه الممارسات ولم يعد هذا الأسلوب ملائما للثقافة السياسية السائدة.

إن أصحاب هذه الممارسات يقومون بعمل يسيء إلي بلادنا، وهم بالنسبة لي مصابون بمرض ذهني حقيقي، لأنهم جامدون ومتخلفون وغير قادرين علي تغيير ما بأنفسهم، وغير مؤهلين لمسايرة التطور الذي تشهده بلادنا.

وأود كذلك أن أحدثكم في أمر آخر يهمكم أنتم هنا في نواذيبو، وهو أن الدولة حريصة علي أن تحسن من تسيير شؤونها لكن المواطنين الذين تنازلت لهم الدولة عن جزء من تسيير الثروة الوطنية، عليهم أن يحسنوا تسييرها، وأعني بذلك مجال الصيد، حيث منحت الدولة رخصا لبعض المواطنين من أجل استغلال هذه الثروة وفق الضوابط والقوانين المعمول بها.

وأؤكد أنه ستتم مساءلة كل شخص تنازلت له الدولة عن تسيير جزء من الثروة وفرط في مسؤوليته المحددة قانونا. وسيتم ذلك في ظروف تكفل المصلحة الوطنية دون أية ضغوط ولكن بتطبيق صارم للقانون.

وأنصح أولئك الذين لايجدون في أنفسهم القدرة علي الانسجام مع ما يمليه القانون الذي منحت لهم علي أساسه هذه الرخص أن يتنازلوا عنها من الآن ويعيدوها للدولة حتي لا يتعرضوا لتطبيق الإجراءات القانونية التي لن يكون فيها أي تساهل.

وأكرر أن علي من حصلوا علي رخص لاستغلال الثروة الوطنية واجبات اتجاه الدولة والمواطنين وعليهم الوفاء بها وسنحرص علي أن يتم الوفاء بها علي أكمل وجه.

ولاشك أن القانون وضع لمصلحة الجميع، فإذا كانت لدينا ملاحظات علي قانون ما، فعلينا أن نتبع الطرق المعهودة لتغيير القوانين، وما لم يتم ذلك، فستبقي القوانين سارية المفعول وواجب الدولة هو تطبيقها.

وفي مجال الصيد كذلك، أعلن لكم أنني أصدرت أوامر للمشرفين علي الرقابة البحرية بضبط كل المخالفات وعدم التنازل عن أي حق للدولة الموريتانية. ومن اختار أن يخضع لذلك فعليه أن يلتزم بالقانون، ومن اختار غير ذلك فليتخل عن ممارسة الصيد، ولن يكون هناك أي تنازل عن المصلحة الوطنية.

ولكن علي اولئك الذين يحاولون الطعن في نزاهة المشرفين علي أجهزة رقابة الصيد أن يقدموا لنا الدليل وليتأكدوا من أنه لا يوجد أحد فوق القانون.

وأرجو لشعبنا ولبلادنا مزيدا من الرقي والتقدم.. وأشكركم.”

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد