خرجوا من مكة ملبين مكبرين ولـّوا وباتوا بمنى فتاقت قلوبهم إلى إلى عرفات الله فتوجهوا مبكرين إليها ليقفوا بها يوم الحج الأكبر.
الحجاج الموريتانيون وغيرهم من حجاج بلاد الإسلام وقفوا بعرفة يوم الخميس صلوا بها الظهر والعصر جمعا وقصرا وانصرف كل منهم إلى غايته ومبتغاه.
أقبلوا على الله ووجهوا وجوههم شطر المسجد الحرام، خشعوا وبكوا فغسلوا بدموعهم ذنوبهم وخطاياهم واستغفروا فغفر لهم ربهم، تابوا وأنابوا فتاب الله عليهم وخرجوا بذنوبهم وآثامهم.
استحضروا عظمة المكان والزمان وتذكروا قول إمام الرسل محمد صلى الله عليه وسلم “أفضل الدعاء دعاء عرفة” ودعوا فرحم ضعفهم وضراعتهم وأجابهم واستبشروا بقوله صلى الله عليه وسلم “ما من يوم يعتق الله فيه كيوم عرفة” فاستغفروا لذنوبهم.
الشمس الحارقة بعرفة لم تمنع بعض هؤلاء من محاولة صعود جبل الرحمة راجين أن يغفر لهم في كل خطوة يخطونها وكل نقطة عرق تتصبب من أجسادهم وتبتلوا مخبتين منيبين كأنما تتردد في آذانهم أحكام وحكم خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع “أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا” فصدقوا برسالته وشهدوا بأنه أدى الأمانة ونصح الأمة.
شمس عرفات الله الحارة في شهر اكتوبر واجهها الحجاج بصدق التوجه وإخلاص النية فمرت ساعات ما بعد الظهر إلى الغروب وكأنها لحظات من نعيم وبرد سلام على قلوب ضيوف الرحمن.
بعد الغروب بهنيهة تبثق الحجيج في اتجاه مزدلفة متقفين أثر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم متمسكين بسنته مؤدين مناسكهم مستحضرين قوله صلى الله عليه وسلم “خذوا عني مناسككم” فوصلوا مزدلفة حيث المبيت كما فعل عليه الصلاة والسلام.
لم يكد هذا المكان الرحب يتسع لهذا الكم الهائل من البشر لكنه احتضنهم فأقام بعضهم واستقر وسار البعض الآخر بعد أن مكث بمزدلفة “قدر ما تحط الرحال”.
في الهزيع الأخير من الليل تحرك الحجاج ملبين فاهتزت جنبات المكان فرجعت الجبال صدى تلبيتهم مما أضفى على المشهد جلالا تكاد تنفطر لها القلوب.
صلى معظمهم في حدود مزدلفة وتوقف البعض منتظرا الإسفار الأعلى كما فعل عليه الصلاة والسلام.
عند جمرة العقبة الأولى كان اللقاء من جديد بين من ساروا ومن انتظروا.
رموا جمرة العقبة الأولى وحلقوا وقصروا فتحللوا التحلل الأصغر وطاف البعض بالبيت الحرام طواف الإفاضة آخر أركان حج المفرد والقانم فتحللوا التحلل الأكبر.
بمنى كان الموعد وكان اللقاء حيث المبيت بها ليالي أيام التشريق أحد واجبات الحج وما أدراك كيف يؤدى هذا الواجب؟!.
في مربع صغير يزدحم الحجاج ومبتغو فضل ربهم من أصحاب التجارة فيعز وجود مكان يجلس المرء فيه أحرى أن يضطجع.
ويلجأ الناس إلى الممرات ونواصي الشوارع والجسور ويبيتون ليلتهم في كر وفر مع رجال الأمن السعوديين المهذبين.
الباعة والمقيمون بمكة والمدينة وأصحاب وكالات الحج لهم اليد الطولى في المخيم الموريتاني بمنى، والمحظوظون هم وحدهم من يجدون ركنا يأوون إليه حتى ولو داستهم الأرجل.
أما غير هؤلاء فلا مكان لهم في هذا الجو المليئ بالتناقضات والعامر بالفوضى والمكتظم بالمستحق وغير المستحق.
أجواء مخيم منى رجحت تعجل غالبية الحجاج الموريتانيين فآبوا عصر اليوم إلى مكة وتمددوا على أسرتهم باتوا وقلوبهم رغم المشقة بقيت بمنى وعرفات والمزدلفة والمشعر الحرام.
الموضوع السابق