AMI

إجراءات الروتين الإداري وتشجيع الاستثمار

بقلم: أحمد ولد مولاي امحمد
a.moulaye.md@gmail.com
من الضروري إجراء بعض التغييرات الجوهرية على إجراءات الروتين الإداري لدينا والتي ورثناها عن الإدارة الفرنسية، إذ لم يعد الوقت ولا العصر ولا التقدم التقني- الذي يعتمد منظومة تكنولوجية ورقمية راقية وسريعة- يسمح لنا ولا للمستثمرين في بلدنا بانتظار نفس الإجراءات الإدارية البطيئة والمملة التي تعيق كل شيء بما في ذلك سرعة النفاذ إلى الخدمات العمومية.
ولعل خطورة بطء إجراءات الروتين الإداري الممل تتجلى أكثر في التعامل مع المستثمرين الذين يخسرون الوقت والجهد وربما الأموال الطائلة بسبب بطء المعاملات الإدارية، حيث ينتظر بعض المستثمرين منذ وقت ليس بالقصير تخليص معاملات إدارية أو استصدار تراخيص معينة لمباشرة الشروع في تنفيذ تلك المشاريع الهامة؟!
أعتقد أن الإدارة والسلطات المعنية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت سابق بانتهاج أساليب جديدة في المعاملات الإدارية المختلفة وبصفة خاصة ما يتعلق منها بالاستثمار الخارجي والداخلي بحيث لا يجب أن “يعاني” المستثمر في انتظار أن تكتمل إجراءات الترخيص النهائي له لمباشرة أعماله، إذ يعتبر ذلك من أكبر معوقات الاستثمار الذي يفترض أن نشجعه بحيث نعمل على إرساء منظومة متكاملة من التسهيلات بما يشجع إقبال المستثمرين على الاستثمار في بلدنا في مختلف المجالات الزراعية والصناعية والمالية والسياحية وغيرها، وهو أمر لا يتأتى باليسر والسهولة التي نراه بها في الكثير من دول العالم مع إجراءات الروتين الإداري الذي ننتهجه.
إن ما قلته لم يأت من فراغ، فبناء على المعلومات المتوفرة لدي، تأجل الشروع في تنفيذ العديد من المشاريع الهامة التي تم الاتفاق عليها مع بلدان شقيقة وصديقة بفعل صعوبة معاملاتنا، كما تنتظر مجموعة أخرى منذ أشهر تخليص معاملات إدارية رسمية كي تشرع في تنفيذ مشاريع هامة من المفترض أن بعضها اليوم يشرف على الاكتمال لو تعلق الأمر بالاستثمار في بلد آخر، ونفس الأمر ينطبق على ترخيص منح أو إعارة قطع أرضية مخصصة لمشاريع استثمارية، حيث تعطلت مشاريع استثمارية هامة بفعل غياب بدائل جاهزة لدى الدولة عندما وجد بعض المستثمرين أن القطع التي كانت مخصصة لهم هي محل نزاع عقاري، وهنا يفترض في الدولة أن تبادر إلى إعطاء خيارات مريحة للمستثمر بما يخلق جوا أكثر إيجابية في التعاطي مع المستثمرين سواء كانوا موريتانيين أو أجانب.
ومثلما نحن مطالبون بتقديم كافة التسهيلات اللازمة للمستثمرين، فإن من واجبنا أن نفرض بعض شروطنا التي تخدم مستقبل التنمية في بلدنا من قبيل إلزامية توظيف المواطنين من أصحاب الكفاءات ومن اليد العاملة الوطنية، وأن يقدم المستثمر بعض الخدمات الاجتماعية الهامة لفائدة المواطنين، وكذلك إخضاع نشاطه الاستثماري للرقابة اللازمة بما يحفظ ثروات وموارد البلد من الاستنزاف، ويحافظ على بيئتنا وصحة مواطنينا وأجيالنا اللاحقة، وفرض تكوين الموريتانيين في مجالات تخصص معينة لا يوجد متخصصون موريتانيون فيها كاستغلال بعض الثروات والتصنيع وغيرها وذلك عبر إيفاد بعثات طلابية وتقديم منح دراسية للموريتانيين على حساب المستثمرين، فضلا عن تنظيم الدورات التكوينية المكثفة للموظفين والعاملين، وفي بعض الحالات تعود ملكية بعض المصانع للدولة بعد فترة زمنية من الاستغلال تكون غير مجحفة بالدولة وبثرواتها ومواردها وغير ضارة بالمستثمر …إلخ..
ومن الخدمات التي يجب أن يقدمها المستثمرون الخدمات الصحية وخاصة إذا كان نشاط المستثمر في مجالات لها تأثيرات صحية على العاملين والموظفين بمجال اختصاص المستثمر، وتوظيف وجلب الأطباء المتخصصين. فمثلا على شركات الاتصال العاملة وتلك التي يمكن أن تحصل على تراخيص عمل لاحقة في بلدنا أن توفر خدمات صحية مناسبة في مواجهة تأثيرات الإشعاعات المنبعثة من هوائياتها المنتشرة على امتداد التراب الوطني، وتأثيرات استخدامات الهواتف النقالة وغيرها وكذلك الأمر بالنسبة للشركات التي قد تؤثر أنشطتها على الأفراد بصفة مباشرة أو غير مباشرة أو على البيئة وبالتالي على الناس، بحيث يجب أن تكون ملزمة بالمحافظة على بيئتنا وجبر الضرر الذي قد ينجم عن بعض الأخطاء التي تحدث من حين لآخر، وهو أمر في غاية اليسر بالنسبة لشركات تربح كثيرا ولا تقدم سوى القليل في مجملها.
إن تشجيع الاستثمار ضرورة تمليها حاجتنا إلى الرقي والرفاه الاقتصادي والاجتماعي في عالم تتنافس الدول والشعوب فيه على جلب الرساميل وكبار المستثمرين بما يخدم اقتصاديات الدول ورفاهية شعوبها.
غير أننا مطالبون في الوقت ذاته بعدم التفريط في أي حق من حقوق بلدنا ومواطنينا المترتبة على المستثمرين، وهو أمر ليس من عندنا بل هي قاعدة ثابتة يجري تطبيقها في مختلف أنحاء العالم وعلى جميع المستثمرين دون استثناء.
ردم آوليك
أديب في الذاكرة
في هذه الحلقة سنتحدث عن الأديب الكبير الراحل محمدْ ولد اشدو، الذي سيبقى دائما في ذاكرة كل من يعرفه، ممن سكن معه أو سافر، أو جالسه، لينهل من معين أخلاقه الجميلة، ويرتع في رياض أدبه الغناء، ويتمتع بواحاته الساحرة… وحسن طويته وأريحيته.
كنا مرة في إحدى المناسبات الاجتماعية بالكيلومتر 10 من “لكوارب” أواسط الثمانينات، وحرصا منا على أن نشارك الأصحاب أفراحهم، دخل بعضهم “مرجع لعب الدبوس” رمزا لتسجيل الحضور، وتشبثا بالأدب مع الأحبة.
وعلى ضوء “لمبت كاز” الكبيرة- تشوبه خضرة حينا، وصفرة حينا آخر- تنوعت العصي بأيدي هؤلاء الفتية، اثنين- اثنين بمعدل غير محدود في “المرجع” الواحد.
مازحت أديبنا بهذا “الكاف”:
الليْـــلَ كابــظْ محـمـدْ
أُهَذَ ما يعْرَفْ حدْ اعْلاشْ
أتاشْ، أُلاهُ فالُ بعدْ
يكبظلُ هــوَ حـدْ أتـاشْ!!
اسمع كيف كان جوابه جامعا بين الدفاع والهجوم، في مشهد رائع تقرأ ملامحه ومعانيه، بين السطور، إذ الدافع إلى دخول “المرجع” قد يكون شيئا آخر غير الذي بين أيدينا، من مجاملة الأصحاب والتأثر بالإيقاع:
مانِ خايفْ يا حْمـــدُّ بعْــدْ
أُلا بدالِ يسْوَ كيفْ آشْ
منْ نكْبَظْ هوْنْ أتاشْ الحَدْ
واللَّ يكبظلِ حَدْ أتاشْ!!
أرأيتم إلى هذا التحدي والتصدي، فأنا كنت أحذره من “أتاش” طائش، فإذا به في صلابة وجلد متناميين، يهيجهما صوت الطبل وإيقاع العصي، فإما أن يؤخذ له “أتاش” وإلا فإنه آخذ آخر لا محالة، والدافع واضح لا يحتاج إلى تفسير.
فهل كان لهذا “الكاف” علاقة بهذا النص الغزلي من “اسغير”؟
ريْتِكْ مرْيَ لُو اليالِ
في البُتيكْ اللِّي اتْيَالِ
سَوَلْتكْ شنْهُو التَّــالِ
يطْرَ، غَيْــرْ افْـــذاكْ
بالِ- وانِ ما انْبــالِ
في الِّ خظْتْ امْعاكْ
ادْركْ عنِّ ما امْبـالِ
بالِ، عاكـــبْ ذاكْ!!
أم استلهم محمد في هذا الموقف معنى نص غزلي آخر، في فترة السبعينات جعل مشهدا جذابا لا ينسى ماثلا أمام عينيه، لا يغيب عنه أبدا:
ما يمْركْ عيْن دهرا عادْ
في التكي أُلكوفْ أُلكْعادْ
تسبيحكْ لكْحـــلْ بوتـرادْ
الْجَيْت فايْـديـــكْ اشِكْــلِ
والصيْد ذِيكْ الْما تبـْعــادْ
الِّ لا جيْــتـكْ تـنْـتــكْــلِ
أُلا ننْس عنّكْ جيْــتِ زادْ
واكْعَدْتِ في الزرْ الكبْلِ
****
أُهــذ لعـــدْت نــاستِــيــهْ
آن بــعد ألاَّ يـرْكـبْــلِ
تسبيحك لكحل واتْشكْليهْ
والصيد والزرْ الكبْلِ!!
استدعت الأمانة العلمية هنا، الإشارة إلى تصرف طفيف في “التافلويت” الخامسة سيلحظه كل من يعرف هذه “الطلعة”.
من طريف أدب محمد ولد اشدو، ذلك “الكاف” الذي قاله في شأن أحد تلاميذ برنامج “الأدب الشعبي” الذي كان يقدمه الأستاذ المرحوم محمدن ولد سيد إبراهيم، فقد أخذ هذا المستمع الكريم، معنى “كاف” لمحمد في سرقة وسطو مكشوفين عبر الأثير، وهو ما يعرف في قاموس أهل “لغن” ب “اسليخه”.
قال محمد:
اسْلخْلِ حدْ امْن الجـدودْ
كافْ اسمعْتُ بيهْ الترْشَ
ما سمَّ راصُ باطْ انْعودْ
نعطيه الركب والكرْش!!
“الجدود” هؤلاء هم أصدقاء البرنامج الجدد، وحرف الواو متولد عن الضمة على الدال ضرورة شاعت في الوزن، قديما واستفحلت في عصرنا الحاضر في النظم والنثر الحسانيين، من ذلك قول بعضهم في الحديث العادي، والخطاب الرسمي:
التطوور، التحضور، التمدون، إلى آخره.
ولعل هذه الواو هي التي جعلت وتيرة هذه المصادر وغيرها- مما يدل على حركية الحياة وديناميتها، في بلادنا بأبعادها الاجتماعية، والاقتصادية والثقافية- تسير ببطء بطيء، فإلى متى التمسك بهذه الواو الزائدة لفظا وخطا ووقتا؟؟.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد