بقلم/ المختار السالم:
elmoctar@gmail.com
ما يجري تحت قبة البرلمان الموريتاني اليوم ملفت للانتباه، فقد تحول البرلمان بالفعل إلى “القاعة الحوارية الأولى” لمناقشة هموم الشعب وبرامجه التنموية وقضايا البلد المختلفة.
وقد تميز طرح النواب خلال جميع دورات البرلمان الحالي بالعمق والجدية والجرأة التي كشفت مستوى التطور السياسي في البلاد، ومدى استعداد النخبة الموريتانية للذهاب بعيدا بتجربتها الديمقراطية.
كما حقق البرلمان الحالي أكبر عدد من الاستجوابات لأعضاء الحكومة خلال تاريخنا النيابي، بل وأكثر الاستجوابات حساسية وقساوة. حيث أصبح الوزراء بالفعل يجدون أنفسهم أمام “محاكمة” حقيقية لبرامج قطاعاتهم ومستوى أدائها ونواقصها.
لم يعد البرلمان الموريتاني تلك الاستراحة المسلية للوزراء، بل بات كابوسا حقيقيا على المستوى المعنوي لكل مسؤول، لأنه متأكد أن عهد “المخفيات” انتهى، وعهد “الأدب” على حساب الحقيقة قد ولى، وأن هؤلاء النواب ليسوا “حملانا” وديعة، بل “ديناصورات” مشبعة بثقافة “الافتراس النيابي”، وقادرون على النفاذ إلى ما وراء الشكليات.
صحيح أن أداء النواب يختلف من نائب إلى آخر ومن خلفية إلى أخرى، لكن يمكن القول إن الأداء النيابي على العموم أصبح في درجة “الجيد”، واقترب إلى حد التطابق مع هموم المواطنين وانشغالاتهم، وانعكس ذلك بالتأكيد على مؤشر الأداء الوطني العام. كما ساهم في التمهيد لتوسيع قاعدة ثقافة الرأي والرأي الآخر بحيث أصبحت القبة البرلمانية الموريتانية في هذا المجال هي الأفضل أداء من بين مؤسساتنا المدنية الأخرى.
عند انتخاب البرلمان الموريتاني الحالي، كان قد سبق لموريتانيا أن عاشت فترة طويلة من “غرف التسجيل” النيابية حيث لا يسمع المواطنون إلا تنافس النواب في المدح من أجل المدح، بل وتحولت القبة البرلمانية آنذاك إلى أسطوانة مشروخة لا علاقة لها بهموم المواطنين، فاقتصر دورها على تزكية برامج الفساد، وسدل الستائر الكثيفة أمام أي بقعة ضوء يمكن أن ينفذ من خلالها الإصلاح أو الرأي الآخر.
وأعتقد أن الأمر تغير بالفعل تغيرا ملموسا، ليس على مستوى “الدور التشريعي”، بل على المستويات الأخرى الملازمة.
فالبرلمان الحالي هو أول من فرض نقاش موضوع الحوار السياسي بين الأغلبية والمعارضة، وكان ذلك ممهدا لنتائج باهرة توجت بدعوة الرئيس للحوار واستجابة المعارضة لتلك الدعوة.
والبرلمان الحالي توسع في طرح جميع المشاكل المتعلقة بنقاط وتجمعات وطنية لم تكن في يوم من الأيام على قائمة النقاش البرلماني، التي كانت هموم “النواكشوطيين” تهيمن عليها، حارمة أغلب مناطق البلد الأخرى من أي اهتمام. وهو ما تغير بالفعل من خلال عدد القضايا التي طرحت حول مشاريع التنمية في الداخل وكذلك المشاكل التي تعترض المواطنين في المناطق البعيدة التي ظلت لعقود مغيبة يلقبها رجل الشارع بـ “المنسية”.
ونجح البرلمان الحالي في نقاش المسائل التي كانت تصنف كقضايا حساسة لا يجوز الاقتراب منها، واليوم أصبح نقاش تلك المسائل ظاهرة عادية تماما، فلم تعد تحت قبتي البرلمان الموريتانية “مناطق للصمت” المفروض، بل تفتحت “زهرة” الحقيقة ناشرة عبيرها في كل الاتجاهات.
كما تمكن البرلمان الحالي من سن ترسانة قانونية هي الأكبر من جهة والأخطر في تاريخ البلاد، ويتعلق الأمر مثلا بقوانين الجنسية، والإرهاب،.. وغيرها.
والبرلمان الحالي هو الأكثر رقابة – عبر تاريخ البلاد – على مختلف القطاعات الحكومية ومختلف أوجه الحياة الوطنية، ويتضح ذلك من حجم النقاشات التي طالت السياسات والمشاريع العمومية خلال الفترة الماضية.
بطبيعة الحال، وكأي برلمان في العالم، خاضع للصراع الطبيعي بين الأغلبية والمعارضة، هناك مآخذ متعددة من أبرزها ضرورة تخلص الطرفين (نواب الأغلبية والمعارضة) من العباءة السياسية عند نقاش المسائل الفنية البحتة، وكذلك القضايا الوطنية السيادية التي يجب أن لا ترتبط، بأي شكل من الأشكال، بكل ما هو “ضـيق” في حدود الأشخاص والكيانات السياسية أو غير ذلك.
لن نكون مغالين إذا قلنا إن البرلمان الحالي نجح بالفعل في التحسين من صورة “البرلمان” داخل أوساط الرأي العام، ولا نجانب الصواب إذا طالبنا بـ”دور احترافي” أفضل لهذه المؤسسة البالغة الأهمية في تجربتنا الديمقراطية.