AMI

البلد على الطريق الصحيح

بابا الغوث
إن بين يديك، أيها المواطن، ورشة عمل يجري النشاط فيها على مدار الوقت بجد ونشاط، من أجل بناء صرح حضاري متين، يكون أساسا لنهضة حديثة من شأنها أن تقطع الشك باليقين، وتعلن الفرق بين الجد والهزل في أمر بناء تجربة سياسية تجري إحداثياتها على الأرض مباشرة، وتخلف إنجازات أساسية وملموسة تعود بالفائدة على الناس، وتؤسس لما بعدها على أرض صلبة.
ومكانك أيها المواطن من هذه الورشة في انتظارك لتتشرف بالمساهمة في البناء بقدر استطاعتك إذا كانت تحدوك الرغبة في الإسهام ويهز كيانك الحماس لذلك.. إذا كنت كذلك فحاول قدر جهدك أن تضع لبنة في الصرح، تكون لك ذخرا يشرفك ويخلدك، ويطهرك من حمى التخاذل والاستهزاء.. وإذا لم تكن تجد في نفسك رغبة لذلك ولا شوقا إليه، فإنني أنصحك بأن تتنحى جانبا إلى موقع المتفرج السلبي.. وعلى كل حال حاول ألا تكون حجر عثرة وظيفته سد الطريق على السالكين لعرقلة مسيرتهم.. ولكني أحذرك من أن تجعل من نفسك معول هدم، أو تنساق إلى أوامر من يريد أن يجعل منك معول هدم.. فذاك لعمر أبيك لهو الخسران المبين أعاذنا الله وإياك من ذلك الدرب المفضي إلى الدرك الأسفل من الخزي والعار في الحياة، ومن العذاب الأليم في الآخرة.. ذلك الدرب اسمه درب الخيانة.. خيانة الوطن وإني أعيذ نفسي وأعيذك من الانحدار إلى درك الخيانة..
إن أشد الناس سوءا وخسة وأسوؤهم سمعة ذلك الذي يخون وطنه. إن فطرة الإنسان السليمة لا تميل به إلى الخيانة.. بل تميل به على الاعتصام بمبادئ الفطرة التي تحاول إبعاد الإنسان عن المنحدرات، ولكن الثقافة التي يكتسبها الإنسان من خلال اختلاطه بالأوساط الأخرى تظل تعمل على ردم النوازع الفطرية الطيبة في نفسه إلى أن تقتل عرقها، وإذ ذاك تنفتح على التعبئة السيئة.. وبمرور الوقت وتكرار التجارب تصبح تلك شيئا آخر لا يمت بصلة إلى الأصل الرفيع الذي فطرت عليه.. ثم إذا هي حاضن حصين للتآمر، وإذا هي مستعدة لاقتراف كل جريمة والانغماس في كل رذيلة بما في ذلك خيانة الأهل والصاحب والوطن.
ونصيحتي لأبناء الوطن هي أن يحافظوا على نوازعهم الفطرية نقية وسليمة من التصدعات ومن التلوث الثقافي المجرد من المفاهيم الخلقية.. بهذه المعطيات الفطرية يحافظ الإنسان على توازنه ويصون حياته من الانحدار إلى المهاوي القذرة.
قديما قيل إن الطبع يسرق من الطبع. وقال ناظم:
إذا الحمار والحوار سيقا
علمه الشهيق والنهيقا

إن عدوى السلوك تنتشر في هذا العصر انتشار النار في الهشيم، ويتسع في الجهات الرئيسية والفرعية أوارها، ملتهما الأخضر واليابس، مجتاحه كل الفجاج بسعارها وأبخرتها التي تشحن النفوس وتزكم الأنوف وتأخذ كل شكل.. مرة تقلد أسلوب الناصح الأمين الغيور على الوطن، وحب الوطن من غيرته المزعومة أن يسلم من آثامه وشروره، وطورا يأخذ سمت الواعظ المرشد، وأحيانا ينتحل شخصية المحلل الماهر المنهمك في تدبيج التحليلات والتنظيرات، وفي ذلك يدخل من الاختلاقات والافتراءات ما تنوء الجبال بحمله، ويضيق صدر الأرض عن حصره. وفي أدخنة هذا النشاط العارم المتصل الحلقات يعلو الغبش والتلبيس وجوه الكثير من الحقائق القائمة على الأرض فتغمض حقيقتها على المواطن المتابع السليم فيختلط على الأمر وتغمض عن رؤيته الثوابت أحرى المتحركات.. وهنا تفتح مداركه لوعي عالم مختلف مزيف فينحدر عبر دروب ذلك العالم، فيظل ينحدر حتى يجد نفسه في نهاية المطاف في حمأة الخيانة لوطنه وشعبه،، وإذا بالنفس اللوامة تجلد ضميره دونما شفقة ولا توان. وهنا يصبح في وسط أتون العذاب. عذاب الحسرة.. حسرة الخارج على سربه، المنحرف عن دربه، المقاد بأنفسه خلف سدم من الأوهام رصت صورها الأخيلة المريضة الغامسة في الصيد في المياه العكرة فتنتابه نوبات الندم ولات ساعة مندم.
وفي بعض الأحيان يفزع إلى المكابرة والعناد، ويجدد العزم على المضي في طريقه الشائك الخطر، ثم تعاوده موجة الندم من جديد. ومنهم من يفطن بعد وقت وجيز أنه يسير في طريق مسدود.. ويدرك أنه يعمل في ظلام دامس وفي الزوايا الميتة بعيدا عن الأنظار.. وهذا شيء يريب العاقل.. وقد يدفعه للخروج مما بين يديه باعتباره عمل تنتصب أمامه علامات استفهام كبيرة بسبب ما يلفه من الغموض والسرية في أحيان كثيرة، فهو بذلك يختلف عن الأعمال التي تجري أنشطتها في وضح النهار ولا يحتاج مديروها إلى إخفاض أصواتهم حتى لا يسمعون، ولا يحتاجون إلى الاكتناف في الزوايا الميتة ولا ينتظرون “مرشدا سياسيا” يفد عليهم من هناك أو من هنالك، وهذا أمر يحتوي على هوان كبير، والهوان مذلة وعذاب يحسن بالعاقل أن يتجنبهما ما وسعته الحيلة إلى ذلك. وواضح أن تجنب العمل المذل والمهين مكسب في حد ذاته ومغنم لا يقدر بثمن. ومن شأن الإنسان العاقل أن يسعى في سبيل إحراز العزة والكرامة.. وذاك ينشد في حب الوطن والعمل من أجل رفعته وعزته وازدهاره وتحرره. وهذا الطريق سالك وممهد ومضاء الآن بالمصابيح المتوهجة توهجا عاليا أضاء الدرب المفضي إلى خدمة الوطن. وهذا هو درب المواطنين الأحرار ذو الوعي العميق بمصالح بلادهم، وذو النخوة والغيرة والعزة والكرامة.
هؤلاء هم الرعيل النابه.. ودربهم هو الدرب السالك المفضي إلى الخير والمجد.. فعلى درب هؤلاء سر، وكن لهم صاحبا، وبهم فاقتد. ذاكم هو السبيل الصحيح.. وغيره هو السبيل المفضي إلى الضلالة والغي والخسران المبين.
لا تدعو المرجفين يفسدوا فطرتكم التي فطركم الله عليها. إنها الحارس الأمين الذي يحميكم من الانحراف عن الجادة الفيحاء. البلد الآن يسير في الاتجاه الصحيح.. والنهج بين يديك فسر.. وساهم بما استطعت من أجل وطنك.. ذاك هو الحزم وهو التوفيق بإذن الله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد