AMI

في سبيل بناء دولة القانون والمؤسسات

بقلم: أحمد ولد مولاي امحمد a.moulaye.md@gmail.com
ظلت موريتانيا دولة فقيرة ومتخلفة، متأخرة عن ركب الأمم المتحضرة بعقود إن لم نقل قرونا، لأن أبناءها لم يفكروا أبدا في بناء دولة حديثة على أسس قانونية وعصرية، وإنما اقتصرت جهود غالبيتهم على الثراء الفاحش على حساب بناء مشروع الدولة ورفاهية الشعب؟.
ويتساءل الجميع عن أسباب هذا التخلف رغم الثروات الهائلة التي ترقد عليها هذه الأرض منذ الأزل، وما تتوفر عليه من خيرات وثروات متنوعة لا تتوفر عليها جل دول الجوار وشبه المنطقة؟ ويصبح السؤال أكثر إلحاحا ومنطقية حين نقارن بلدنا بأي بلد آخر في المنطقة أو في شبه المنطقة، حيث لا وجه للمقارنة على الإطلاق؟!.
في بلدنا لا يتجاوز عدد السكان ثلاثة ملايين نسمة وتنام الأرض لدينا على النفط ومعادن الحديد والذهب والنحاس والفوسفات وغيرها من المعادن النفيسة، فضلا عن أن سواحلنا تعتبر من أغنى سواحل العالم بالأسماك المتنوعة والتي يكثر الطلب عليها عالميا، إلى جانب الثروة الحيوانية الهائلة والزراعة بمختلف أنواعها بما في ذلك زراعة النخيل، ومع ذلك فلا يمكن مقارنة المستوى المعيشي لشعبنا بشعوب دول الجوار الأقل ثروات والأكثر فاقة، وهو ما لا يجد له المواطن البسيط أي تفسير منذ استقلال موريتانيا إلى اليوم؟!.
فما الذي يجعل مظاهر المدنية الحديثة أكثر تجليا في عواصم وحتى في مدن شبه المنطقة ودول الجوار، بينما تنعدم هذه المظاهر تماما في هذا البلد الغني؟!.
ما الذي يفسر احترام شعوب دول الجوار لقوانين بلدانها وتشريعاتها وانسجامها مع الدولة، في الوقت الذي يجهل فيه جل الموريتانيين – من ساسة ومواطنين بسطاء- قوانين بلدهم ولا يحترمونها إطلاقا وفي كل مجالات الحياة؟!.
هل يمكن أن نُرجع أسباب هذا التخلف إلى العقلية البدوية التي لم تفارقنا إلى اليوم؟ وبالتالي فلا تجوز مؤاخذتنا على التخلف وعدم الإلمام بالعصرنة والحداثة والقوانين ومفهوم الدولة؟
غير أننا إذا نظرنا إلى شعوب بدوية أخرى أكثر تمسكا بأصالتها وبموروثها الثقافي التقليدي نجد البون شاسعا والوضع مختلف تماما حيث لا يمكن بأي حال مقارنة موريتانيا الدولة والشعب بإحدى تلك الدول وما وصلت إليه شعوبها من رقي ورفاهية واستيعاب لمفاهيم المدنية الحديثة ولمبادئ دولة القانون والمؤسسات!!
يمكن القول حقيقة إننا شعب استثنائي ودولة استثنائية بكل المقاييس، إذ لم نستفد من تجارب الشعوب البدوية ولا حتى من تجارب شعوب كانت ثقافة الغاب هي موروثها الثقافي؟! ولم نقلد أية أمة من أمم الأرض في البناء والنماء، وإنما أصبحنا نشازا بين أمم وشعوب الأرض، بل ومسخرة آن لها أن تنتهي وإلى الأبد.
إن من واجب الساسة في كل وقت وظرف أن يلتفتوا إلى أسباب هذا التخلف تشخيصا وتحليلا ومراجعة في سبيل بناء ذلك الكيان العصري الذي تأخر كثيرا بفعل عوامل الهدم الذاتي وأساليب النهب والاختلاس وتغييب مفهوم الدولة منذ أكثر من خمسة عقود من الآن. ولا يجوز بأي حال أن نستمر في نفس دوامة التخلف والجهل والجوع والمرض بفعل تسلط مجموعة قليلة ممن دأبوا على امتصاص خيرات الوطن والمواطن وتمادوا في النهب إلى أبعد الحدود دون رادع ولا رقيب.
وهؤلاء هم من يتحملون مسؤولية التخلف والجهل وسيادة هذه المفاهيم التي كانت غريبة على مجتمعنا حتى عهد قريب، إذ غدت، في عهدهم، الأمانة صفة العاجز الضعيف الذي لا أهمية له ولا وزن، واللص المحترم الذي يتحول بين عشية وضحاها إلى أثرى الأثرياء هو الرجل الذي يجب أن يحظى بالاحترام والتقدير بل ولأن نرفع له قدره سياسيا ووظيفيا واجتماعيا؟!
إن من واجب المواطن الغيور على مستقبل الوطن والأجيال اللاحقة العمل على محاسبة هؤلاء بما يستحقون، لأنهم تسببوا في ما تعانيه بلادنا من كل أمراض العصر، والسعي لتجنيب جيل الغد مخاطر مفاهيمهم وسياساتهم التدميرية القذرة التي أتت على الأخضر واليابس، وحولتنا إلى شعب متسول، بعد أن رصدت عائدات ثرواتنا لمشاريعها الشخصية والعائلية وحولت أموال البلد والشعب إلى حساباتها في الداخل والخارج على حساب المشاريع التنموية المفترضة ؟!.
لقد آن لهذا الشعب أن يقول لا لكل من تسبب في معاناته، وأن يبدأ عهدا جديدا من البناء والتعمير، وأن يعمل على تكريس سيادة مفهوم دولة القانون والمؤسسات على أنقاض المفاهيم والقيم السقيمة التي سيّر بها هؤلاء مجتمعنا وكياننا لفائدة مشاريعهم الشخصية البحتة، إذ لا يمكن القبول باستمرار هذه الوضعية المزرية، إلا إذا كنا مصممين على تقويض هذا الكيان إلى الأبد.
إن عملية البناء الشامل هي مسؤولية مشتركة وواجب الجميع من أفراد وأحزاب ومنظمات وغيرها، بغض النظر عن موقفها من السلطة التنفيذية، إذ الوطن فوق الجميع ومصالحه فوق كل اعتبار، ولا يمكن لأحزاب المعارضة، مثلا، أن تتقاعس عن الإسهام في عملية التنمية لأنها ليست في السلطة، فلكل دوره ومسؤولياته التي لا يجوز التردد في القيام بها على الوجه الأمثل.
وعلينا جميعا، كل من موقعه، أن نعمل على تجاوز مفاهيم هذه الحقب العجاف التي حولتنا إلى نشاز بين أمم وشعوب الأرض، وأن ندشن عهدا جديدا من العطاء للغد، للتاريخ وللأجيال اللاحقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد