AMI

الصدق أشرف بقلم: بابا الغوث

من أدبيات المعارض الذي يحترم نفسه، أن يذكر الايجابي ثم يذكر السلبي.
ومن الأمور التي يتعين عليه القيام بها- إذا كانت لديه في المجتمع مصداقية وكان في نفسه من الحيطة والحذر ما يشده إلى الحفاظ على مصداقيته- أن يبادر إلى تحديد الخلل السلبي الذي أثاره.. ومن ثم يبين الاصوب الذي كان على الدولة أن تقوم به، والحال أنها لم تفعل. الذين يمارسون النقد “السياسي” هذه الأيام لا يولون ذلك الجانب شيئا من اهتمامهم. وهذا الإهمال من جانبهم يثير في ذهنك احتمال أنهم في هذا الذي يتناولونه بالنقد لا بد لنا من تسميته بهذا الاسم حفاظا على خواطرهم لأنهم دون شك يفضلون تسميته بالنقد على تسميته بشيء آخر- يثير لديك احتمال بأنهم ليسوا جادين في تعداد مآخذهم تلك. وهذا لا يخلو من العجب كونهم لا يحشدون لمآخذهم من وسائل القول ما يدعها ويعطيها قوة كبيرة هي في حاجة إليها لكي ما تخلق تأثيرا لدى السامع. لقد رأيتهم يحفظون أدوات تقوية الخبر من أن ومن لام التوكيد الذي يصحبها إذا كان الخبر في حاجة إلى توكيد أقوى. أتراهم لا يهمهم وضع السامع وتعامله مع الخبر شكا ونكرانا ويقينا؟ ولكن كيف لا يهمهم وهم إنما أوردوه لإحداث تغير في قناعة السامع وذاك التغير حسب هدفهم هو أن يقر الخبر في ذهن السامع لمفردة ثقافية من شأنها أن ترسم في عقله انطباعا خاصا عن السلطة التي استهدفوها بالنقد؟ ما لم يكن بهم جهل لأساليب الكلام ودور أدوات تقويته وتضعيفه فلابد أنهم كانوا يعتقدون أن الذين ألقي إليهم الخبر سوف يضربون به عرض الحائط لذلك. وفروا على أنفسهم شقة التوكيد ونحو ذلك. وإذا كان الأمر على هذا النحو فإن الأحرى بهم هو أن يوفروا على أنفسهم مشقة نشر الخبر فهو بالغ المشقة لأنه جهد بذل دون طائل يرجى من ورائه.. ولأنه إلى صناعة الفرية أقرب منه بصناعة الأخبار السياسية. والفرية حرم تلزم عنه لا مشقة واحدة. بل جملة من المشاق التي لا قبل لأحد بها وليست لديه بد لتفادي مشاقها أعاذنا الله والمسلمين من تلك الأهوال المهيلة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
يبدو أن هذا العصر عصر متميز بعدد غير قليل من الخصال العجيبة والغريبة. تميز بأنه ما من راع استهلك جل عمره في محاربة الرعي إلا في إمكانه في ذات الوقت أن يغير مهنته من راع محترف إلى سياسي لامع في إمكانه أن يتابع مسيرته السياسية بخطوات ثابتة دونما أدني تعثر.. بل ويدفع قوى من جمهور عريض. هذه الخاصية أبطلت دور الإطلاع العلمي كشرط كان قائما للدخول إلى المجال السياسي.
لم تعد ثمة أية حاجة وإن قلت للتأهيل العلمي مادام طموحك إلى السياسة. المهم أن تجد أنت في نفسك الرغبة في ممارسة السياسة.. فالطريق أمامك ممهد سالك فعلى بركة الله إن شئت ابدأ من عندك.. وادعوا الناس إلى الانضمام لحزبك ولن يشترط عليك أحد أن يكون الحزب قائما أو لجنبه أو قاعدا.. ذاك لا حاجة بك إليه ولن يسألك أحد عنه وإذا ما سألك أحدهم سؤلا من هذا القبيل فلا تجبه وإنما تحدث عما بين يديك وماذا على هؤلاء أن يعملوا من أجل الفات الانتباه إليهم ولسوف ترى أن كل شيء يسير كما تشاء.
من خصائص هذا العصر أيضا أن كل سياسي- ولك أن تعرف أن كل مواطن حيث يكون من البلاد- هو سياسي بالغريزة وبالطبع وبحكم الجينات الوراثية وبالميول والطموح.. بمعنى أن كل مواطن تقتضي حاله أن يفرض على الدولة وعلى جميع السلطات الجهوية أن له حقوق سياسة يجب على الدولة وسلطاتها الاعتراف له بها. ويلزم عن ذلك الاعتراف الحصول على تلك الحقوق كاملة.. ومثلها معها وقد يكون بأضعاف حسب قدرة كل سياسي وجاذبيته وقوة تأثيره وكثرة أصحابه داخل الوسط السلطوي حيث تختلط المصالح وتشتبك المزايا العينية ببعضها البعض.
من خصائصه أيضا أنه في إمكانك أن تشن ما تشاء من الحملات على السلطة الحاكمة بحجة أنك معارض. ولم لا أو ليست الديمقراطية تعني بروز المعارضة كإطار سياسي تمارس من خلاله المواقف من منظار النقد… ألا تكفي هذه الحالة لتكون مظلة تحتوي ظلالها المغني والمعازف والطبال وجوق الإنشاد والمصفقين؟! ضمن هؤلاء تجد كل الأشكال عاملة.. ومتبطلة.. بعضها يسب ويرفع صوته بالسباب لكي ما يعلم أن يقع من الخارطة الطبوغرافية لعل وعسى أن يثير اهتماما أو يحظى ببعض العناية. وبعضهم يسب السلطات ولكن بصوت منخفض يرسم لأصحاب الآذان الطويلة بالإصغاء إلى ما يقول لعل ذلك يحث بعضهم على تدبيج تقرير بشأنه لعله يكون موضع مساومة قد تدر عليه منصبا أو ضربا من المواساة، كأن يحظى بتكرمة يطرح يده من خلالها على مغنم وإن قل فلن يكون أقل مما كان يحظي به من قبل.
وبعضهم لا يسب ولا يشتم ولا يمدح وهو ملازم الصمت المطبق كمن يتحين الفرص لينحاز إلى هذا الجانب أو ذاك ولكنه ليس في عجلة من أمره حتى تتاح له الفرصة المناسبة ليعلن انضمامه هنا أو هناك.. أو يعلن تميزه عن الطرفين واستغلاله بذاته.
عدا عن أولئك وعن هؤلاء لأنت واجد فريقا آخر لا هم له إلا المديح الدائم للسلطة والثناء عليها وتعداد مكاسبها الجليلة وانجازاتها القيمة.. كل ذلك بدرجة عالية من المحاسن.. ودرجة أعلى من التقريظ.
حينما تفرغ من استعراض الأوساط جميعها الذين يحتكرون لأنفسهم لقب المعارضة بنزعتهم المشاكة المهاجمة بصورة دائمة.. ثم الذين يلونهم والذين يلونهم حتى تفرغ من الجميع فتجد أنك استعرضت جميع المواطنين ثم أنك وجدتهم جميعا ولا هم لهم إلا الاشتغال بالسياسة وأنهم جميعا من المعارضة بلغتها المتوترة كمن يشعر بالغبن إلى الذين يمتدحون.. الكل يمارس السياسة من إحراز مكاسب له من الدولة هذه وجهة الجميع دون استثناء. المعارضة تريد نصيبها من الكعكة.. هذا كل شيء.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد