AMI

الزمن موظف سياسي بقلم: المختار السالم elmoctar@gmail.com

الزمن ليس من ذهب، ولو كان كذلك لما احتاج الفقراء إلى التنقيب في النفايات بحثا عن كسرة خبز، فالفقراء لا يملكون من “الرصيد” سوى الزمن. ولكن الذي من ذهب هو روح المبادرة والذكاء، روح المتمرد في الإنسان هي وحدها الكنز الذهبي الذي لا ينضب. وأينما وجدت الشجاعة وروح الإرادة كان الزمن متوفرا لتحقيق المكاسب والأحلام.
ومع ذلك للزمن قوانينه، ليس فحسب وفق نظريات الفيزيائيين والنحويين، وإنما أيضا وفق من هم أكثر منهم سحرا، أي السياسيين، فـ”الزمن- مثلا- كفيل بمن لا كفالة له انتخابيا”. وقد يتكفل الزمن يوما ما برفض المعارضة الموريتانية الاعتراف بما يوليه النظام الحالي (خطابا وإنجازا) من اهتمام لصالح طبقة الفقراء.
أما الجديد في استخدامنا للزمن فهو “الفعل المضارع”، كان هذا الفعل غائبا تماما عن الجملة السياسية في البلاد. فقد كان هناك الزمن الماضي الذي لا يعني سوى ذكريات عن “نظام طويل المدة” وهي ذكريات أحفورية في جسد الأمة، ثم تأتي “القفزة النحوية” إلى الأفعال المستقبلية دون المرور بشيء اسمه الأفعال المضارعة التي تعني بنحو الواقع بكل آلياته المعقدة.
لم تكن هناك إنجازات تشكل محل خلاف في التسمية بين الأنظمة والمعارضات السابقة، كان هناك فراغ كبير في جوف الدولة والمجتمع، سمح للمعارضة بتفصيل قصاصات البيانات والتصريحات مع التعبير التليد “يتبع”، ودفع الأنظمة من جهتها للسعي في ما عرف وقتها بتغيير العقليات حتى يقبل الشعب عن غير وعي بالواقع كما يرسم افتراضيا “زهري أو وردي” بحسب الصياغات الفخمة لخطاب تلك المرحلة.
نحن اليوم في الزمن الثالث المحذوف أصلا من الخطاب السياسي الوطني، فهناك نظام يقول أنا أنفذ مشاريع ملموسة وأعيد لموريتانيا هويتها العربية الإفريقية وها هو الدليل (طرق، مستشفيات، مساكن، منظومة قوانين، مشاريع استثمارية، تمويلات دولية.. إلخ). وهناك معارضة ذكية جدا بحيث أنها سعت لرسم صورة مغايرة للمفاهيم فإنجاز الطرق والمستشفيات وتوزيع الأراضي السكنية “عـــيبٌ يرد به”، وبالنسبة لها أيضا فالقرب من نبض الشارع واستخدام اللغة المفهومة من طرف الفقراء والمسحوقين هو “شعبوية” غير مقبولة لأن النزول من البروج العاجية إلى مستوى العامة من المواطنين أمر مرفوض وخطير على الثابت السياسي المتفق عليه أصلا بين شقي الصراع في “الزمن الماضي” (الحكم، المعارضة).
لله در الخطاب السياسي الموريتاني فهو ثري إلى درجة لا يخيـّـل للمرء معها أن البلد مر في يوم من الأيام بـ”احتباس سياسي”، أو تصحر أو جفاف سياسي، أو سموه ما شئتم من تلك الأسماء.
“إنما الحاضر أحلا” بتعبير كوكب الشرق أم كلثوم، فالنظام يراهن على لغة الإنجاز وقرب تلك اللغة من القاموس الشعبي الذي كان مجهولا عن سبق إصرار وترصد بتعبير إخواننا في “العدالة”، والمعارضة بدورها تراهن على كثير؛ بعضه فطنتها اللغوية وعنادها المحتوم.
دعونا إذن نخلص إلى أن “الزمن موظف سياسي” في موريتانيا، والطريف أنه عميل مزدوج، فالمعارضة تستغله في جمع “مفردات” من قبيل: هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة وباقي الأغنية التي تصف سيدة من العصر الماضي اسمها: مرحلة “اتفاق دكار”.
والنظام في سباق مع الزمن للإجابة على أسئلة الامتحان التنموي الذي طرحه بنفسه في التزامه الانتخابي.
أعتقد أننا إذن في مرحلة من الخصب السياسي الذي ميز التجربة الديمقراطية في موريتانيا بحراك ونشاط دائمين، وتدافع هو جوهر هذه التجربة ومحركها نحو التطور والتجذر.
وإذن لأولئك الذين يدقون ناقوس الخطر من خطاب المعارضة محذرين من أنه تجاوز المنسوب المقبول، نقول “أنتم مجانين، فهذا الخطاب هو الذي يشحذ همة الحكومة لتحقيق المزيد من الانجازات، وبالتالي يمنعها من أن تغط في سبات شتوي عميق”، إنه قناة رقابية هامة ولا غنى عنها، وفي قسوة خطاب المعارضة ما ينبه النظام لترتيب الأولويات ومعالجة المنسيات، وهذا هو دورها. ولو كنتم تعلمون فالمبرد لا يقطع السكين لكنه يشحذه.
إن ذلك إدراك لجزء مما لا بد منه في مجال التوظيف السياسي للزمن.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد