لو عرف كل مسلم لليتيم وللمسكين حقوقهما ما كان بيننا منسيا ولا محروما، ولو كفل كل مقتدر مما آتاه الله يتيما أو أنفق على مسكين لجسّدنا التكافل في أبهى صوره كما يأمرنا به ديننا الإسلامي الحنيف، فما الذي يحول بيننا والمسح على رأس اليتيم وإطعامه وكفالته، وما الذي يحول بيننا وإطعام المسكين واحتضانه في مجتمعنا المسلم؟ وماذا لو تصور كل منا أنه هو ذلك المسكين المحتاج أو الفقير المعدم أو اليتيم المنسي في مجتمعه وبين ذويه في الدين والعقيدة.
ولماذا لا نلحظ أنشطة مكثفة رسمية وأهلية في كفالة الأيتام واحتضان المساكين والإحسان إليهم كما يحدث في جميع الدول ولدى كل الشعوب من حولنا، حيث تتسابق الحكومات وأصحاب النوايا الحسنة والجمعيات الأهلية الخيرية إلى فعل الخيرات ومرضاة الله سبحانه في الإحسان إلى عيال الله من اليتامى والمساكين والمحتاجين ويتبارون في الإنفاق عليهم سرا وعلانية ومن دون منّ.
ففي فضل رعاية اليتيم وعظم أجر كافله في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، قال تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. وقال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}. وقال أيضا: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا}، وقال تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ}.
وقد وردت عدة أحاديث في فضل الإحسان إلى اليتيم وكفالته ولعل من أبرزها قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا))، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما)) رواه البخاري.
وقد صح عنه صلى عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال: ((من ضم يتيما له أو لغيره حتى يغنيه الله عنه وجبت له الجنة)) وفي رواية ((كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة وأشار بالسبابة والوسطى)). والضمير في له أو لغيره أي من أهله أو من غير أهله وأقاربه، وقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ((أدنِ اليتيم منك وألطفه وامسح برأسه وأطعمه من طعامك.. فإن ذلك يلين قلبك ويدرك حاجتك)). وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم))، ومنها ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك)).
إننا مطالبون بأن ندخل البهجة والسرور على قلوب اليتامى والمساكين في مجتمعنا وخاصة حين يطل العيد فلا يجد اليتيم من حوله سوى ذلك الفراغ الذي خلفه فقد أحد الوالدين أو هما معا والحاجة إلى من يمد له يد العون والمساعدة ليفرح كبقية الأطفال في مجتمعه وفي عيده الذي يجب أن يكون عيدا للجميع لا مجلبة لحزن اليتيم والمسكين، وأن يكون كل رجل منا أبا لليتيم وكل امرأة منا أما لليتيم وكل ولد وبنت أخا وأختا لليتيم وأن لا نفرق بين اليتيم الغني واليتيم الفقير فكلاهما بحاجة إلينا، أحدهما يحتاجنا بالرعاية المادية والمعنوية والثاني يحتاج إلى رعايتنا المعنوية له حتى لا يشعر بالوحدة وبالفراغ الذي خلفه فقد أحد الأبوين أو كلاهما.
ولأن الأغنياء، ولله الحمد، كثر في بلدنا ، وغيرهم من الفاعلين، فيجب ألا يضيّعوا فرصة التقرب إلى المولى سبحانه وتعالى بكفالة اليتيم واحتضان المسكين، حيث كان سلفنا الصالح يتصيد مثل هذه الفرص في طلب الثواب والأجر، فهل يقوم أثرياؤنا وأغنياؤنا بما يفترض أن يقوم به أمثالهم في مجتمعات مسلمة تعمل على تفعيل سنة التكافل والإيثار وإدخال البهجة والسرور إلى قلوب المحتاجين والمحرومين كاليتامى والمساكين؟. أتمنى ذلك لكنني أشك في أننا جميعا نلتفت إلى هذه الشرائح الأكثر هشاشة في مجتمعنا وخاصة في أيام الأعياد والأفراح التي يجب أن يشاركنا فيها جميع مسلمي بلدنا من مختلف الأعمار والأجناس والمستويات المادية والمعنوية المتفاوتة، هذه الأعياد التي يجب أن تصبح فرصة لإضفاء البهجة ورسم الفرحة على محيا كل مسكين ويتيم ومحروم، لما في ذلك من مرضاة لله سبحانه وتعالى ولما فيه من تجسيد للتكافل ومحو للفوارق بين أغنيائنا ومحتاجينا من المعدمين والمساكين وممن لا يجدون كافلا ولا مُطعما.
وهنا أود أن أنوه ببعض الجهود المشكورة لبعض منظماتنا الأهلية في الإحسان إلى الأيتام والفقراء وفي ما يقدمونه في شهر رمضان المبارك من إطعام وإفطار للصائم الفقير الذي لا يجد قوت يومه ولا ثمن إفطاره، ولعل عادة موائد الرحمن تتكرس وتنتشر في مجتمعنا في كل وقت وحين وليس في شهر الصيام فحسب، حيث لا تنتهي معاناة الفقير وحاجته ولا حرمان اليتيم والمسكين ووحدتهما بانتهاء شهر الصيام بل تتواصل طالما بقي الفقر والحاجة والحرمان.. وفيما يتعلق بدُور كفالة الأيتام فيجب أن تتوسع وأن نغدق عليها جميعنا كل بما تيسر له، بل ولم لا يتكفل كل غني منا وقادر على الإنفاق بيتيم وأكثر ليعاملهم كما يعامل أبناءه حتى يبلغ أشده ويصبح قادرا على مواجهة مصاعب الحياة بمفرده؟
والخطاب هنا موجه لكافة الفاعلين الاقتصاديين والمستثمرين في بلدنا، إذ من المفترض أن يقدموا الدعم والعون لفئات المجتمع الهشة عبر بناء دور للأيتام وللمحتاجين والمعدمين الذين لا يجدون مسكنا ولا ملجأ ولا مطعما إلا من خلال محسن.
أتمنى أن نلتفت جميعنا لليتامى والمساكين وأن نكفلهم ونحتضنهم ونقدم لهم البسمة والأمل ونرسم الفرحة على وجوههم وفي قلوبهم وأن نتنافس في ذلك بكل ما أوتينا من وسائل وإمكانات مرضاة للمولى سبحانه وامتثالا لتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف التي تحث على التكافل والإحسان.
الموضوع السابق