AMI

لم اللغط؟!

بقلم: بابا الغوث
لماذا ترتفع الأصوات لتملأ الفضاء الرحب وتصم الآذان وتحس النفوس الآمنة ببأسائها وسمومها فتثير فيها الكوامن وتنكأ الجروح، وتجعلها تتميز غيظا وتصلا نيرانا.. أو تجعلها تحس بالرغبة وتجيش بالارتكاسات وتتحفز لمواجهة الخطوب الوشيكة الحدوث. أفتلك غاية من الغايات المنتظرة ارتفعت الأصوات من أجل تحشيدها وإحضارها؟ أهذا مكسب ترفع الأصوات من أجله؟ أم أنها ارتفعت لتذيع إعلانا عن وجود تجسم في اللاغطين بالأصوات المرتفعة؟
لا أظن أن اللغط وإن امتدت حباله حتى دارت بالكوكب يمكن أن يكون شيئا مذكورا له أهمية تنظر منه.. بينما في إمكان الكلام الهادئ والأصوات الخافتة أن تحقق مكاسب جمة إذا كانت هادفة ومدركة إدراكا حقيقيا لما تريد.
لقد مر علينا زمن طويل ونحن نمارس ما نعتقد أنه سياسة.
أو هكذا نسميه.. ونسميه دون أن يخالط عقولنا خجل من تسميته بالسياسة، أحرى أن تحس بالحرج من ممارسته، أو هذا الزمن الذي مر علينا زمن كاف لنطور فيه نظرتنا وأسلوبنا في التعاطي في المجال السياسي.. ولكننا لم نفعل.. لم نطور نظرتنا ولم نطور أسلوبنا.. بدأنا نمارس النشاط السياسي بأساليب بدائية.. وكانت مادتنا الأساسية التي نستعملها في الممارسات السياسية هي الشتم والتهديد، ومازال ذلك دأبنا حتى اليوم.. نشتم ونهدد إذا غضبنا، وننافق ونتزلف إذا رضينا، وفاتنا أن الكلم الرصين والفكر الواضح والأسلوب الذكي والأداء الماهر والنقد العلمي البناء.. أن ذلك هو زاد السياسيين ومادتهم التي يستهلكونها في حالتي الغضب والرضا والإقبال والإدبار.. وفاتنا أن كل ذلك لا يكون مجديا إلا إذا كان الصدق قوامه والخلق الكريم حلبته وقاعدته والهدفية الواضحة المستأنسة غايته. ذاكم هو العمل السياسي المفيد الذي يهدف إلى تصحيح الفاسد والتنويه بالصحيح.. يحدد النقص ويطلب الكمال ويبين الصواب والخطأ بأمانة ويقظة لا يخلط ولا يختلق ولا يجدف ولا يتحامل ولا يرجف ولا يسف ولا يستهلك الفج من القول ولا الساقط من النعوت ولا يستهلك البذاءة ولا يتخذها منهجا. وإذا لم تكن القناعة والتحلي بالخلق الكريم هما مهماز السياسي اللذان يعتصم بهما من الانحدار إلى درك الغضب وردة الفعل فلأنه يدرك بوعيه ودرايته بالأمور أن ردة الفعل وغليان النفس والانفعال.. كل ذلك يضر به ولا ينفعه. السياسي الماهر المتبصر يعلم بحكم كونه مشتغلا بالسياسة، أن الرهان لدى كل سياسي هو على الجمهور.. الجمهور يتابع خطب السياسيين فإذا مارسوا الخلط على ذلك الجمهور من خطابهم، وإذا ما اختلقوا عرف أنهم يختلقون، وإذا ما انداحوا في التجديف وركبوا ذرى الأمواج فطنوا إلى أغراضهم من ذلك، وكذلك إذا تحاملوا أو مارسوا الإرجاف أو رتعوا في الإسفاف والبذاءة إلى آخره.. عرفوا ماذا يريدون من خطابهم، وتعاملوا معهم بما يلزم وهو الإهمال واللامبالاة، وهذا هو الطبيعي، فالخطاب الذي لا غنى فيه سيكون نصيبه الإهمال ما في ذلك من شك. والسياسي يكون خاسرا إذا كان خطابه حظه من المواطن الإهمال، والمسؤول عن ذلك هو السياسي الذي لم يرتق إلى مستوى الأداء الجيد فخلت أنشطته الخطابية من قوة التأثير لأنها كانت تعبيرات عن الضيق والبرم والغضب، كان ذلك هو مهمازها وباعثها، فعلم ذلك منه السامع فتولى عنها، أدار لها ظهره بامتعاض وخيبة أمل واستهجان وزراية.
ومن الناس المنشغلين بالسياسة يعتقد أنه يستطيع التأثير في الناس بما يقول وهذا شكل نادر من أشكال الغباء.. وقد فات هذا أن الناس يفهمون ما يقال ويفهمون الدوافع التي تقف وراء قوله.. وهذا هو سر موقفهم منه.. هم ازدروا به بسبب معرفتهم بنيته الكاملة.
والقاعدة الأفضل والأشد صلابة في هذا الباب والأرحب فضاء للسياسيين الذين اختاروا السياسة مهنة لهم يعتاشون منها وعليها يعتمدون وبها يعرفون.. هي أن يتعلموا هذا العلم الذي يسمى علم السياسة.. يتعلموه ويطبقوه بقواعده وأساليبه وآدابه وأخلاقه.. هذا العلم هو الذي يعصمهم من الخطإ ويرتقي بتنظيراتهم واطروحاتهم إلى المستوى اللائق بهم، ويصقل أذهانهم ويسمو بأدائهم ويكون سببا جوهريا في تطوير بلدهم.
وأذكر المشتغلين بالسياسة بأن القاعدة المنسوبة إلى الأمير الايطالي (مكيافيلي) والتي تقول: الغاية تبرر الوسيلة هي قاعدة ساقطة منطقيا وأخلاقيا، وليست بمنهج صالح للاحتذاء به. لأنها استهترت بالحقائق وضربت بالمنطق والأخلاق عرض الحائط. وهي بذلك خروج عن النهج الصحيح الصالح للتعاطي مع الحقائق الموجودة على الواقع.
وأذكرهم أيضا أن استخدام الكذب في السياسة معول هدم ماحق يتعقب كل ما بني بالكذب ليدمره تدميرا كاملا. هذا على أن الذين يحترمون أنفسهم ويسعون إلى صنع الخير وإزاحة الشر لا يمكن أن تطيب نفوسهم بممارسة الكذب في شأن من الشؤون، أحرى في المجال السياسي الذي هو مجال من الحيوية على جانب عظيم لما يحتويه من الخدمات الجليلة للعباد والبلاد.
هذا على أن الذين يكذبون هم أناس خارجون عن المسلك القويم، وهم معتسفون ومفحمون على طبيعة الأشياء القائمة على التوازن والاستقامة.
بالصدق في القول والإخلاص في العمل نخدم وطننا وشعبنا وبالكذب والخروج عن منهج القوامة، ندمر وطننا ونؤذي أنفسنا، وهذا ما يجب علينا أن نتجنبه بالعزم والحزم وليس باللغط.. لم اللغط؟!

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد