AMI

خطوة على طريق الديمقراطية بقلم: سيدي ولد أب

هناك أحداث ومحطات في تاريخ البشرية تقود قاطرة ما بعدها، وتعلم الطريق أمامها وتهديها سواء السبيل، الذي ترشد وتؤشر إليه بوصلة تلك المستجدات التي تطل عادة على فترة من خلل ما، تكون معه الحاجة ماسة إلى هدوء النفوس ومراجعة ومحاسبة الذات والاحتكام لمنطق العقل والمصلحة العامة على ما سواها من الأنانيات المقيتة، ضيقة الأفق وغير المكترثة أو المعنية بمبدإ أو قيمة لا ترى فيها صورتها الصغيرة.
ولا يخرج شبه الإجماع المنعقد بين القوى السياسية في البلد- يستوي في ذلك الذي ينحو جانب الحكومة ولا يكتم إيمانه في مساندتها، أو من اختار طريقه وحدد هدفا له مناوأتها ومحاسبتها على الصغير والكبير الحقير والنقير- على مساندة الخطوة الاستباقية التي نفذها الجيش الموريتاني ضد مسلحي القاعدة الأسبوع الماضي، عن هذا الذي أومأنا له آنفا، من أن هناك أحداثا ترسم طريق المستقبل وتترك بصماتها واضحة على سياقات اتجاهه.
فالموقف الذي تنادى إليه أغلب أقطاب المعارضة وقطعهم الشك باليقين، عندما عبروا دون مواربة أو لبس عن الوقوف خلف الجيش الموريتاني في حربه ضد مجموعات مسلحة، استمرأت الاعتداء على البلد واستسهلت مهاجمته أكثر من مرة، فتح نافذة من الأمل في إمكانية تصالح موريتانيا مع الديمقراطية، كنهج ونظام حكم، له ثوابت وميكانيزمات لإدارته، تمنعه من أن يتحول تحت ضغط الحزازيات الحزبية المتخلفة، إلى ديكور وبيت من كرتون، مهيأ في أي وقت لأن تعصف به نزوات من دخلوا معترك السياسة، يمتطون صهوات مصالحهم الخاصة جدا.
فإجماع من هذا النوع على قضية وطنية كبرى والنأي بها عن المزايدات والمهاترات السياسية سيكون- إذا دخل تحت لوائه بقية المترددين من القوى السياسية في البلد- تأسيسا جديدا وفتحا غير مسبوق في حلمنا بأن نحيى حياة ديمقراطية، يحترم الجميع لعبتها ويتقيد بضوابطها، التي من أولها أن هناك ثوابت ومقدسات لدى كل بلد، يجب أن تبقى في حصن وحرز من اتخاذها كرة نار يتقاذف بها متشاكسو السياسة.
ولنا في الديمقراطيات العريقة التي تحرص طبقتنا السياسية على أن تقتفي أثرها، شبرا بشبر وذراعا بذراع- على الأقل في أدبياتها السياسية- المثال الذي يحتذي، في مجال تكريسها لتقاليد وتواضعها على أعراف يجمع الكل على احترامها وإخراجها من حيز وإطار التجاذبات بين المنظمات السياسية على اختلاف تنوعها واتجاهاتها الفكرية المختلفة والمتعددة، مسوغها في ذلك جانب المصلحة العامة، واعتبارها خطوطا حمراء مركونة في زاوية وخانة مقدسة، لا يجوز ولا يحل التطاول على مقامها العالي.
وأعتقد أن غالبية النخبة السياسية الموريتانية أحسنت صنعا، في كونها لم تنجذب- ولو على استحياء- وراء تراث كبير من عدم احترام أي مقدس أو الاكتراث بأي ثابت، وتسامت على خلافاتها، وبرهنت على أن فيها من بدأ يستوعب دروس الديمقراطية، ويميز بينها وبين الصراعات القبلية والأخذ بالثأثر الموروث عن عصر السيبة وزمن فوضى غياب الدولة المركزية، الذي رانت عليه أوضاع هذه البلاد ردحا من الزمن.
ورغم أن الرأي العام الوطني كان ينتظر إجماعا من النخبة السياسية على الوقوف صفا واحدا موحدا خلف الجيش الوطني، في تصديه لعدو أسفر عن وجهه ولم يعد يتخفى أو يتستر على مجاهرته بالعداء للبلد، لأنه أثبت بالفعل قبل القول في مواطن كثيرة ومعلومة للجميع، عن نيته في الاعتداء على البلد وترويع أهله ومحاولة فرض رؤية وفلسفة لا تمت بصلة لثقافته الإسلامية المسالمة المتسامحة، إلا أن ما حصل من مواقف يمكن أن يبنى عليه في سبيل الترسيخ لثقافة جديدة تختلف عن ما هو مألوف ومعروف ومعهود في الثقافة السائدة بين النخبة السياسية الموريتانية، والتي لا تقيم وزنا لثوابت ومقدسات يتواضع الجميع على تحييدها عن الجدال والمناكفات بين الفاعلين السياسيين.
فمن المتعارف عليه أن أساس توزع وتموضع النخب السياسية الموريتانية بين الأحزاب والمنظمات لا يقوم على أسس واضحة من برامج أو فلسفات سياسية، وإنما في الغالب الأعم على ولاءات ضيقة، قبلية وفئوية، لا تمت إلى السياسة بصلة، وان تم تغليفها بهالة وبهرجة من المثاليات المحلقة، التي تنتكس دوما، وفي كل مرة، كلما جربت ووضعت على المحك، لتفصح عن وجه كالح من التقوقع في قوالب محنطة، حبلها موصول بالماضي السحيق، عفوا القريب مقارنة بأعمار الدول، فالدولة الموريتانية لما يمض على ميلادها نصف قرن.
فلا يمين ولا يسار في السياسة الموريتانية، فالكل يرفع لافتة كبيرة مكتوبة بالخط العريض، يدعي فيها الصدور عن فلسفات الشرق والغرب وما بينهما من برزخ، الغائب الكبير فيها- إلا من رحم ربك- شؤون وشجون المجتمع ومصالحه العامة، اللهم إلا ما كان منها على الورق، وعلى ألسنة حداد يسلقون بها الخصوم، ويلعنون فيها واقعا هم من يمكن لاستمراره، بما اقترفت أيديهم في حق إنسان هذه الأرض المسكين.
فعسى وعسى أن يكون إعلان بعض الأحزاب المعارضة- أما الموالية فموقفها تحصيل حاصل- مساندتها للجيش في حربه المشروعة والمقدسة ضد مسلحي القاعدة، بداية النهاية لثقافة الانتقام وتصفية الحسابات والأخذ بالثأر، على هدي دريد ابن الصمة، وأن يكون هذا النهج الجديد انعطافا وأوبة إلى الممارسة الديمقراطية الحقيقية، كما جربها وأختبرها من سبقونا إلى أنسنة الحكم، لا كما يعرفها الموريتانيون من خلال ممارسة نخبهم السياسية على مدى تاريخ دولتهم الحديثة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد