بقلم: سيدي ولد أب
آمال الفقراء المعدمين والمهمشين المسحوقين عن أيمانكم وعن شمائلكم ومن بين أيديكم، لو تعلمون يا سادتي بسيطة، وأحلامهم لو تأملتم متواضعة جدا، تواضع حصيلة نصف قرن من هشيم طاحونة العبث الملتف كأفعى أسطورية حول عنق بلد، تهصره وتعصره في تشف ومتعة سادية، تطلق أثناءها الصفير والزفير لتحذير المقتربين، ممن التقطوا إشارات نداء استغاثة الضحية وأناتها، وهي تحاول النجاة بجلدها من وحش الفساد والعدمية المتربص.
فقراء البلد- وهم بالمناسبة يماثلون نسبة انتخاب أصحاب الفخامة في الحوزة الإفريقية والعربية 99,99% في المأموريات الأبدية السرمدية- غير معنيين بكل هذه التخريفات، التي يسمونها سياسة، وما تفرع عنها من اتفاقيات فنادق الخارج، ومناجاة وتخاصم أهلها، من سخف وترهات حقوق الإنسان و الحيوان، والمحافظة على البيئة والحد من وتيرة تسارع ثقب طبقة الأوزون، والمماحكات والمهاترات بين أطياف المجتمع المدني، ومجاميع وفيالق المسرحين من الطبقة السياسية الحاكمة سنوات تضخم وتغول الفساد.
بالطبع ليس من اهتمام أسر معدمة لا تجد قوت يومها- وفي أحيان كثيرة تبيت على الطوى، تلتحف السماء وتفترش الأرض، في الأحياء الشعبية الفقيرة بأطراف المدن وفي أكناف القرى والبلدات، في ربوع البلد المترامي الأطراف- التسمر أمام التلفزات والإذاعات، والاستماع إلى تخرصات محترفي السياسة لدينا، المتباكين على انفراط عقد دولتهم، والمحاولين عبثا السباحة ضد تيار جارف لا يريد استذكار ماض قريب، يحيل إليه هؤلاء بخرجاتهم الإعلامية بين الفترة والأخرى.
فما يتطلع ويتوق إليه ضحايا حصاد دولة الاستقلال ويأملونه من العهد الجديد لتغيير واقع الحرمان والبؤس الذي تترنح تحته أوضاعهم الاقتصادية وظروفهم المعيشية أفعال ملموسة يلمسون تأثيرها وانعكاسها على يوميات كدهم ومجاهدتهم لتحصيل لقمة عيش يسدون بها خلة أسرهم، وليس ملاسنات جامدة تستعير منطق أرسطو لإقامة الحجة واخراص الخصوم، فليست تلك لغة يفهمها الجوعى ومن أعيتهم كل حيلة للخلاص من علاتهم الكثيرة.
كما أن الإصرار علي مواصلة طريق كهذه يرسل إشارات خاطئة إلى طرفين أو جهتين أولهما فلول الطبقة السياسية التي تستميت في المحاولات تلو الأخرى لاستعادة عرشها ومعاودة الكرة لإحكام قبضتها من جديد على البلاد، والاجتهاد في ابتكار طرق وأساليب تنكرية جديدة تمكنها من إدارة لعبتها القديمة الجديدة.
إشارة تعطي الانطباع بأن الأمر برمته لا يعدو إعادة إنتاج لنهج ونمط قديمين، من إدارة اللعبة وتقاسم الكعكة، بين أطراف وأجنحة ذلك الاتجاه، مما يغريه بالثبات على نهجه ويمده بروح وطاقة جديدة، تقنعه وتزيده إصرارا على مواصلة سبيل المكايدة، كطريق أصيل ونهج لا يحيد عنه في كفاحه المستميت، لاستعادة ملكه السليب ورد الاعتبار إلى كبريائه المجروح، على أيدي الدهماء ومن كان يعدهم من الأشرار.
أما الطرف الثاني فيمثله السواد الأعظم من ساكنة هذا البلد، المتشوفون إلى انتهاء محنتهم وزوال ما بهم من شقاء، تجرعوه دائما على أيدي من يدعون تمثيلهم وخدمة مصالحهم، فذلك الطرف سيكون شكه وريبته في نوايا الإصلاح قاصمة الظهر لكل خططه ومشاريعه، وما يستتبعها من سياسات فرعية، نجاحها منوط ومشروط بتجاوب هؤلاء الفقراء، الذين يتنافس الجميع على خطب ودهم وكسبهم لصفوفه، بعد أن أصبحوا رقما صعبا، ليس من السهل تجاوزه واستغفاله أو الاستهانة بقدراته في خلط الأوراق وتغيير مفردات اللعبة وخلق أوضاع ومعطيات على الأرض، لا تصادف بالضرورة هوى في نفوس النخب السياسية الموريتانية، التي تعودت أن تسوق قواعدها الانتخابية كقطعان الأغنام ، وأن تسوسها كما تحدو إبلها وتهش على الماعز بين السهول والوديان تنتجع الكلأ وتشيم الغدير في ربوع الصحراء الفسيحة.
لقد تغير الزمن واستبان سبيل الناس، وأصبح في مقدورها ومكنتها معرفة الغث من السمين، الصدق من الكذب والضلال من الهدى، وتمييز الخبيث من الطيب، وأكثر من ذلك قراءة ما بين سطور كل ما يصدر عن ممتهني السياسة عندنا، وما يرمون إليه ويقصدونه من فرقعاتهم الإعلامية، والتعبير عما يسمونه مواقف وآراء سياسية، يريدونها أن تكون مدخلا لعقول وقلوب قواعد شعبية، طالما مثلت بالنسبة لهم في الماضي القريب مجرد رقم وزر يضغط عليه عند الحاجة، لا يستحق ولا يستأهل كل هذا الجهد والوقت، الذي يتكلفونه الآن لمغازلتها، والسعي لإعادتها سيرتها الأولى طوع بنانهم.
وبصريح العبارة السكان في هذه الرقعة الترابية المسماة موريتانيا ملوا من أحاديث الساسة والسياسيين، وضجروا وأصابهم الغثيان من “الحكاواتيين” الجدد، ولم يعد باستطاعتهم تصديق تهويماتهم، عن اتفاقيات سايكس بيكو ومثلث بورمودا وخطورة عدم تطبيقها على الوحدة الوطنية واستقرار البلد واستمراره دولة على خارطة القطب المتجمد الشمالي المتجمد.
إن طموحهم- أي الفقراء من عامة الشعب- شيء آخر لا علاقة له بما يلهج به فنانو هذا اللون من مسرح العرائس، فهم يريدون كسرة خبز، يسدون بها رمقهم وكساء يقيهم برد الشتاء ولفح حر الصحراء، فهم في شأن يغنيهم عن الذهاب إلى دور السينما ومشاهدة عروض أفلام السعفة الذهبية، فما بالك بمسرحيات وأفلام هابطة يؤدي دور الأبطال فيها “حكاواتيون” من الكومبارس.
الموضوع السابق
الموضوع الموالي