AMI

مـن أيـن جاءت الأزمات؟

بقلم: بابا الغوث

تعيش الحضارة البشرية من القرن الماضي وحتى الآن أشد الأزمات السياسية والاقتصادية خطورة، وأعظمها هولا على حياة الإنسان.
وبما أن الأشياء لا تتحول عن مجراها الطبيعي إلا بأسباب ولا تنجم الأزمات إلا عن الأحداث، فإن الأحداث لا تحصل إلا بتخطيط مخطط وبتدابير مدبر.. وذاك الذي يقوم بهذه الأعمال هو الإنسان نفسه.
الإنسان هو الذي يصنع الحدث السياسي والاقتصادي ويدير عجلته في الاتجاه الذي يريده بغية تحقيق مآرب تعود عليه بالنفع المادي والمعنوي.
ولما كانت الإنسانية قد أدارت ظهرها- منذ آماد- لتعاليم الوحي، فإن الذي يلزم عن ذلك هو خلو الواعية الثقافية من مفاهيم الخير كالإنصاف والعدل والخلق الكريم.
وهذه هي الاجرودية بجميع أبعادها.
والإنسان الاجرود لا يتوقع منه صدور الخير الذي يسع الناس جميعا. لأنه إنما يفكر في نفسه.. ويعمل وفق قاعدة النفع المجردة من معاني الخير.
والإنسان كلما تقوقع في ذات نفسه، ابتعد كليا مما يجمعه مع الناس مما هو مشترك.
فتفرد في تفكيره فيما يخدم مصالحه، وكرس طاقاته لذلك ثم انهمك في العمل لا يلوي على شيء ولا يهتم إلا بما يسعى إليه.. وإن كلفه ذلك إبادة شعوب بأسرها وإحراق الأرض إن وجد إلى ذلك سبيلا.. وهذه هي طبيعة الإنسان حين ما ينفصل عن تعاليم الخالق سبحانه، لأنه إذ ذاك لم يعد يستحيي من الرب.. ومن لا يخاف الله ولا يستحيي منه من طبيعته أن يصنع ما يشاء.. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا أنت لم تستح فاصنع ما شئت” ولأمر أراده الله بعباده، مكن للذين عتو عن أمر ربهم وأعطاهم أسباب القوة، فانكفأوا إلى الأمم الضعيفة فاستباحوا بلادها وهتكوا أعراضها ونهبوا ثرواتها ومزقوا أوصالها حتى إذا ما تهيأ لهم من كل ذلك ما أرادوا واطمأنوا إلى أنهم أشادوا مما نهبوا قواعد مادية لهم في بلادهم وبنى تحتية صلبة بنوا الأمور في تلك البلاد على النحو الذي يبقي نفوذهم عليها جاريا على طول المدى. ثم كونوا حلفا وارسوا الأسس السياسية التي تعطيه: “الحق” في الهيمنة والنفوذ على الأرض. فالأرض تحت سلطان الحلف المشكل من الأقوياء.
وأصل الأزمات العويصة التي تعاني منها أمم عديدة وشعوب هي ثمرة الأحداث السياسية والاقتصادية التي صنعها هؤلاء.. ولا يزالون يسكبون الزيت على نيرانها ويعملون على مضاعفة أتراحها وصروفها.
وهؤلاء هم سادة الحضارة الآن وقادتها وحكماءها ومرشدوها، إن وضعوا صدر حضورهم في أمر كانت لهم الغلبة فيه.. وإن تكلموا سكت الناس، وإن هددوا أو أنذروا ارتعدت من إنذارهم فرائص الناس.
نفوذهم واسع لا حدود لاتساعه، ومن خواصهم أن يهتموا بأقل التفاصيل شأنا، ويدسون أنفوهم في كل كبيرة وصغيرة.
ومن خلال هذا السلطان الواسع والنفوذ القاسي، وبأسلوب من الغطرسة المفرطة والرعونة الممعضة طهروا النشاط السياسي من الأبعاد الخلقية وأحالوا التعامل إلى سلاسل من الإجراءات ذات الطابع التآمري والتربص والمكائد ناهيك عن براعتهم في صناعة الكذب وتقنينه سياسيا وعن طريقتهم الفذة في الكيل بمكيالين وممارستهم الإقصاء الذي طوروه إلى إنجاز سياسي، ثم ازدرائهم الحق واستهجانهم بمفهوم العدل.
ولك أن تقف طويلا أمام قدرتهم على الاستمتاع بإلحاق الأذى بالآخرين وصبرهم على الإمعان في الإذلال كل ذلك إلى جانب ما جبلوا عليه من القسوة.
فمن أي الجهات ستهب ريح العافية على هذه الحضارة، التعادل فيها قائم على جناحين: جناح الأقوياء.. وقد تميزوا إلى ناحية وتحالفوا وتقاسموا المنافع على معيار الأقوى والذي يليه ثم الذي يليه..
للأقوى نصيب الأسد ولمن هو دونه نصيب النمر وهكذا. وجناح جمعت فيه المأساة المشتركة الضعفاء صفا واحدا.. تقاسموا الشعور بالهوان والذل والضياع كل حسب ما يكفيه من ذلك ويفيض عن حاجته لا يضايقه في ذلك خصم ولا يشعر بالغبن إذ الهوان يتسع للجميع ويفضل عن الجميع. والتباين بين الجناحين هو تباين عدائي لأنه التناقض بين القوة والضعف والغنى والفقر والصحة والمرض… والمشاكل الناجمة عن هذا التناقض هي في ازدياد دائم وتعقيد دائم وحدتها تشتد مع مرور الوقت، وليس في الأفق المرئي ولا ذاك غير المرئي بارقة أمل تبشر بإمكانية حل أو حلول تلك المشاكل الصعبة المراس.. القاعدة القائمة تذكي حفيظة الأقوياء على التمسك بأسباب القوة الدائمة لاستمرارها حفاظا على النفوذ القائم على التفوق.. والعمل في نفس الوقت على الإبقاء على الضعيف ضعيفا.
وذلك بتطبيق جملة من العوامل السياسية والاقتصادية التي من شأنها تجفيف الينابع المساعدة على النهوض بإفشال الخطط الاستثمارية المهمة عن طريق ترفيع العملاء إلى مستويات القرار وتسليطهم على بعض الوظائف الحيوية وبخاصة في الدول ذات القابلية للنهوض.
وهي الدول التي تملك ثروة هامة تخولها العمل على النهوض ببعض جوانب الحياة فيها.. ثم استغلال المعاهدة الجائرة التي تمنع العالم الثالث من امتلاك الأسلحة الإستراتيجية، وتسمح بذلك لدول الحلف.. ثم العامل الثالث الأشد قسوة وفظاعة، وهو قتل العلماء واختطافهم حذار أن تستفيد منهم بلادهم في كسب أسباب القوة. بهذه العوامل وغيرها يبقون على الضعفاء في حالة الضعف إلى الأبد، بينما يتمتعون هم بالقوة والنفوذ لا ينازعهم في ذلك منازع.
إذا هم من صنع الأحداث التي خلفت المشاكل القائمة.. وهم يعملون على استمرارها.
وبحوزتهم الوسائل الكفيلة بذلك فأين المفر وهذه هي الحضارة وذاك إيقاعها المدمر؟
لا جرم أن الوضع من الخطورة على جانب كبير.. ولا جرم أن علته ومرارته إنما تكمن كما أسلفنا في تسلط قوم لا يعيشون على ضوء استنارة من الوحي.. وإنما يحكمون أهواءهم وما تمليه عليهم غرائزهم ودوافعهم من حب التملك والتطلع إلى النفوذ والهيمنة وإحكام السيطرة.
والقاعدة المنطقية تقول: الظلم من شيم النفوس.. إلا نفس تخاف الله وترجو ثوابه. هذه إذا تحكمت انتفع الناس في ظل حكمها بالعدل.
ولكن الضعفاء في إمكانهم العمل لو أنهم ملكوا قوة الإرادة.. وتوحدوا في عملهم.. كما توحد أولئك للسيطرة عليهم. إن للكلمة لقوة ونفوذ إذا عززتها إرادة قوية وعزم وحزم.
(أين مجموعة عدم الانحياز؟).

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد