بقلم: المختار السالم ولد احمد سالم
elmoctar@gmail.com
أخيرا تحررت الحكومة الموريتانية من “جدل الصيغ”، وأعلنت صراحة وعلنا استعدادها للحوار مع المعارضة في أي وقت وأي مكان.. هذا شيء جميل، والكرة الآن في مرمى المعارضة، وفي انتظار ردها الرسمي، ودون استباق الأمور، هناك حقيقة واحدة لا لبس فيها وهي أن الرأي العام الموريتاني راغب، وبشكل لافت للنظر، في الحوار الجدي بين نخبته السياسية.
ذلك بالتأكيد ما ينتهي إليه مؤشر جس نبض الشارع الموريتاني من “الكبات” إلى “الصالونات”.
الحوار لا يمكن أن يضر بأحد والعكس صحيح. بل لا توجد بدائل مقنعة عن الحوار، إذ جربت المعارضة والأغلبية لعبة النزول للشارع واستعرض كل منهما قوته وعاد إلى بيته، والنتيجة محدودة. كما جرب الطرفان لعبة الحرب الإعلامية والنتيجة أيضا محدودة، إذ باستثناء ظهور “نجوم سياسية” لا جديد يدعو للفت الانتباه، مع أن تلك النجوم لم تبلغ ربع شهرة “بول”، الأخطبوط الشهير الذي تكهن بحظوظ ألمانيا في المونديال الجاري في جنوب إفريقيا وصدقت توقعاته.
و”بول” بالمناسبة ليس نائبا برلمانيا ولا زعيما سياسيا، وليس أحد رجال المال والأعمال، وليس نجما سينمائيا، ولا عالم رياضيات، ولا مفكر ولا شاعر، كما أنه ليس عارض أزياء، بل، وكما سمعتم ورأيتم جميعا، هو مجرد “أخطبوط” يقرأ الحظ، ولا يبحث عن الحوار.
نحن في موريتانيا لا حاجة لنا بقارئ حظوظ كـ”بول”، فحظوظ كل طرف سياسي معروفة سلفا، ولن توجد مفاجئات، و”التفاصيل هنا توضع قبل العناوين”، لكننا بحاجة فقط للحوار وقليل من الانسجام السياسي، وقليل من البعد عن الشخصانية والأنانية السياسية.
لتكن هذه بداية جديدة، فقد شاهدنا مساء الخميس الماضي أمسية سياسية جميلة بحق داخل قبة البرلمان، نتمنى أن تتكرر في عدة أماكن وعدة مناسبات، وأن لا تكون أمسية يتيمة في “عقد” سياسي يزيّـن جيد هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ التحول السياسي في البلاد.
لا يمكن أن تقاس فرص الحوار بحساب احتمالات المكاسب الظاهرة، ففي اعتقادي لدى المعارضة الكثير مما يمكن أن تقدمه من أفكار وتصورات ومقترحات حول مختلف الشؤون، ولدى النظام الكثير أيضا ليقدمه للتجربة السياسية والتنموية في البلد. بل أجزم أن الوطن لا يسع الجميع فحسب، بل يحقق أحلامهم – فقط- إذا تجاوزنا مفهوم حصر السياسة في “لعبة مقاعد”.
ما يخيفني، ولا تنقص الدلائل على ذلك، أن هناك أشخاصا في الطرفين (الأغلبية والمعارضة) يسعون بكل قوة لإبقاء الحالة العامة على ما هي عليه، بل يسعى هؤلاء الأشخاص لزرع ثقافة القطيعة والشك والاحتراز وعدم الثقة، وهدف هؤلاء معروف، وهم ليسوا جدد على الساحة، فقد عهدناهم، في كل الأنظمة وكل المراحل، مفرقين لا جامعين، ومثبطين لا مشجعين، وهم أشخاص “صفة” يستفيدون من صيغ “الاختلال” و”الانتكاس” و”التراجع” ولا يقضّ مصالحهم شيء كصيغ “التوازن” و”التفاهم” و”التقارب”.
باختصار شديد هناك من يعيشون على بث روح الخلاف، ويشجعون “ثقافة نتف الريش”، و”تسنين المخالب”، ووضع السكة على ظهر القاطرة حتى لا تتحرك، وهو أمر غير مقبول أخلاقيا.
يريد أولئك القول لنا “إن ما لا يقبل وطنيا مقبول سياسيا”.
وهذا منطق فج يغوص بـ”الأنا” الظرفية إلى “قاع” عميق من العمى السياسي الذي يرتب أمور ومصلح بلد بكامله على “قرن ثور” كما يقولون.
يبقى من الضروري لفت انتباه زملائي في وسائل الإعلام العمومية والمستقلة إلى أن بإمكانهم لعب دور كبير في تهيئة الساحة لأجواء الحوار.
فهم (الإعلاميون) كانوا أول حلقة وصل بين أقطاب الساحة السياسية خلال الفترة السابقة، وقبل أن يبدأ الآن الجميع في أداء “أناشيد الحوار”.