AMI

أحيلوها على المعاش بقلم سيدي ولد أب

أنا من الذين يعتقدون أن شغف وانبهار شعوب العالم الثالث وتعلقها بحضارة وثقافة الآخر غثها وسمينها،صحيحها وسقيمها، و استغراقها الجهد كله في عملية لهاث واقتفاء أثر بائسة، تكرر نفسها في كل مرة، وتعجز عن الخروج من شرنقة قوالب جاهزة، مفصلة على مقاسات بيئات مجتمعات مفارقة ومغايرة لها في كل شيء، مسؤول بدرجة كبيرة عن المآلات والنهايات الدرامية لمشروع دولة حديثة، انقلب حلم الشعوب بها كابوسا مخيفا من الأشكال والظلال الباهتة، لمجسمات لا لب ولا روح فيها ،تحاكي الأصل وتنزع لاستنساخه واستنباته وزرعه في بيئة تقاوم وترفض بطبيعتها تغيير نواميس الكون في الاختلاف والتمايز.
فعقدة النقص والشعور بالدونية لدينا، إزاء الغالب بالتعبير الخلدوني، من جهة، والانقياد والانبهار الأعمى بكل ما ينتجه الآخر انسحب مفعولها المعطل في كل زاوية وركن من تفاصيل مشهد واقعنا المعاش، لينساح عن ركام حصاد سنين من حشو الأذهان والعقول بأسفار مستنسخة، باءت محاولات تطبيقها في واقع كثير من الشعوب المتخلفة بالفشل الذريع، بل وشكلت حملا وعبئا مازال هذا الواقع ينوء بحمله ،ويدفع فاتورته من حقه المشروع في التطلع إلى التنمية والتحرر من غوائل التخلف المقيت.
فنفسية وسيكولوجية التخلف المطبقة على القلوب والعقول، لم تعطينا فرصة الاختيار أو المفاضلة، في الصالح الذي يمكث في واقعنا من غيره، لأن أسْر وسحر يسر التقليد واقتناء الجاهز المعلب يعلو على ما سواه، حتى ولو ثبت بشواهد امتحان التجربة عدم صلاحيته المرة في أثر المرات، وقام الدليل والبرهان والحجة على خذلانه للمهرولين في سبيل التمكين له، وشرعنة التأسيس له منهجا وأسلوب حياة يسعى بين الناس، ولا يضيف معنى أو شيئا مذكورا لحياتهم العادية جدا.
وتمثل الدساتير وخطط التعبير عن النوايا في مجالات التنمية بأسمائها العشرية والكسرية حقل تجارب، دائب الحركة ورائج البضاعة، يأخذ من كل أمة وبلد في هذه المعمورة الفسيحة ،من أقصى الشرق إلى مغرب الشمس خليطا متنافرا ،لا رابط ولا صلة قرابة بينه، اللهم إلا الوثوق بكل ماهو مستورد غير أصيل في هذه البلاد، وابتلاعه بقشوره.
من ذلك مثلا أن الدساتير التي تشكل سنام ورأس هرم القوانين لدينا في موريتانيا ،لم يتكلف واضعوها ،ومن عهد إليهم بصياغتها وإخراجها للناس ،كبير عناء أو مشقة في محاولة إسقاطها على واقع البلد، كما تعبر عنه ثقافته، وتجليات حضارته النابعة من حقائقه الصارخة، باختلافها عن بلاد منشإ تلك القوانين المستوردة، تماما مثل لحوم الدواجن الرخيصة، التي غزت أسواقنا المحلية، وتراجعت لصالحها وعلى حسابها أطباقنا التقليدية من اللحوم الحمراء.
فما تحرص عليه خبرتنا الوطنية الملهمة ومن ورائها نخبة سياسية لا تتوقف كثيرا عند خصوصيات أوطانها، ودورها في تحديد المصائر ورسم المعالم والتوجهات الكبرى لهذه الشعوب – في لحظات صفاء وود تنتفي فيها الفوارق بينهما، وربما يتبادلان الأدوار – أن تكون الكلمة العليا لصناعة السرك والأزياء التنكرية، فتلك أسهل الطرق وأيسر السبل لإقناع الدهماء والعامة بأخذنا بأسباب التنمية الحقيقية، وبأننا قادمون منتصرون وللغرب والشرق قاهرون، اعتمادا على سواعد أبناء برروة متشبثون بما يخدم صالح البلاد والعباد؟.
فبتلك البهرجة والصراخ المرتفع يمعن التحالف آنف الذكر في ممارسة ملهاة استغفال رعاياه، وينتشي طربا بأن طوق أسره قد اكتملت حلقاته وأحكمت فصوله على شعب مازال بينه وبين التقدم والتطور شأوا وأمدا بعيدا، تضج به وتفصح عنه أوضاعه المزرية ومستويات تنمية بشرية لديه تتذيل القابعين في المؤخرة من الدول المتخلفة.
وحتى لا نحلق بعيدا أو يجد بنا السير في مهامه ومفازات من التنظير، الذي لا يسنده برهان ولا دليل من الواقع المعاش، أعرج قليلا على أمثلة حية ومحسوسة من واقعنا الموريتاني، يضج ويتردد صدى الضجر والتبرم من النشاز و الخلل الذي يمثله وجودها ،على لسان الغالبية الساحقة من المواطنين، التي أصبحت تطالب بالحاج ودون ستار أو حجاب، بإعادة النظر بشكل جدي ودون انتظار أو تأجيل، في مصير مؤسسات وهيئات أثبتت التجربة أن وجودها يمثل عبئا ثقيلا على خزينة الدولة ودافعي الضرائب فيها، وتبديدا وتبذيرا لا طائل منه ولا هدف من ورائه.
وللذين سيدفعون بهالة من القدسية يسبغونها على بعض هذه الهيئات لدستوريتها ،وما يمثله ذلك في مخيلتهم من ضرورات الهيبة المفضية إلى عدم التعرض لها بالنقد، ألفت انتباههم، إلى أن مواد الدستور تظل في النهاية عملا بشريا يؤخذ منه ويرد، وإلا لما كانت هناك حاجة وضرورة لتعديل الدساتير، الذي لا يخلو منه نظام دولة، مهما كانت درجة رسوخ أعراقها وتقاليدها الديمقراطية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التعديل أو على الأصح التصحيح الذي أومئ إليه – والذي أكاد أجزم أنه سيحوز الغالبية الساحقة من أصوات الشعب الموريتاني في حال عرضه على الاستفتاء– يجب أن يكون بين نصب عينه أولويتين:
– فرز الهيئات والمؤسسات الدستورية المرشحة لحذفها بناء على اعتبارات موضوعية، لا دخل للذاتية فيها، كعدم حاجة البلد الماسة إليها، أو لوجود هيئة مشابهة لها ، تقوم بنفس عملها ،كما هو الحال بالنسبة لمجلس الشيوخ ،الذي يعتبر عمله التشريعي مجرد تكرار لمهمة الجمعية الوطنية، أو لعدم الحاجة الماسة للخدمة التي تؤديها الهيئة المعنية، مقارنة بما تتحمله الدولة من تكاليف وأعباء مالية في الإنفاق عليها.
– توفير موارد مالية جديدة من ريع هذه العملية، لصرفها في أوجه التنمية القاعدية المختلفة، عوضا عن تبديدها في امتيازات مالية لصالح مجموعة من الميسورين، كما هو الحال مثلا بالنسبة لمجلس الشيوخ، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ووساطة الجمهورية…
وفي انتظار بداية حراك حقيقي يخرج النقاش حول هذا الموضوع من الإطار الضيق إلى فضاء الفعل والعمل، الذي يضع أولويته الوحيدة مصلحة البلد والمجتمع ،على ما سواها من الأنانيات الذاتية جدا، ستظل قناعتنا راسخة – إلى إشعار آخر- في حاجة البلد الماسة والملحة للتوقف عن دفع فاتورة هو في غنى عنها، لمؤسسات وهيئات، يجب إحالتها على المعاش.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد