جلس عيسى بن هشام والحارث بن همام يتحدثان على مقعد في أحد المقاهي المتاخمة للشارع الرئيسي حيث تنفصم القيم التقليدية ويتحلل الناس من أعباء المحظورات والمكروهات الاجتماعية، من نوع الأكل في الشارع، ومجالسة الغوغاء في الساحات العامة. ذلك أن الشارع الكبير وحوزته الترابية في مدننا الحديثة هو بمثابة مباني السفارات الأجنبية لا تخضع للسيادة الوطنية ولا تنطبق عليها أعراف البلد المضيف ولا تقاليده ولا قوانينه.
جلس عيسى بن هشام والحارث بن همام في ذلك المكان يأكلان ويشربان ويدخنان وبينما هما على ذلك من أمرهما إذ التفت عيسى بن هشام إلى الحارث بن همام، وكأنه تذكر شيئا كان له ناسيا فقال له بلهجة متهدجة يطبعها شيء من الجرأة والخوف في آن واحد: اعلم يا حارث، أني فكرت بالأمس في أمر خطير وكبير، وخلصت فيه إلى نتيجة أخطر وأكبر، وأنا محدثك بها الآن، وإن أدري هل ستوافقني عليها أم ستراني أخبط في تيهاء. اعلم يا حارث أني فكرت في نفسي وقلت في نفسي: ليت شعري أي ضرر يكون في أن يبايع بلدنا الحبيب إحدى الدول الغربية (بالغين المعجمة) العظمى، بيعة الإخاء لا بيعة الولاء، فندخل تحت حمايتها وننضوي تحت رايتها فتكون بركتُها بركتَنا ولعنتها لعنتنا وعملتها عملتنا، الدم الدم والهدم الهدم، نضمن لها الخبز والجبن وتضمن لنا الراحة والأمن، فنستريح…
وهنا قاطعه الحارث بن همام- وكان امرءا فيه حدة- فقال:..ويلك يا عيسى أنظر ماذا تقول! أتدري إذا كان ما تقترح ماذا سيكون؟ إذ كان ما قلت فعما قريب سيقرأ موطأ الإمام مالك بن أنس وسنن أبي داوود في المساجد بلغة موليير وسيتمثل الخطيب يوم الجمعة بأقوال فلتير.. ثم بعد عقد أو عقدين سنرى الشيخ الأشيب وقد برز من لحيته وعارضيه أمثال شوك السفا أو القنافذ من الشعر الحليق وهو يخاطب أحد أحفاده بكلام يبدل فيه الراء غينا من غير لثغة ويذاكر بناته ويذاكرنه بأخبار فيلم الأمس ومسلسل الغد، وتقول العجوز الشمطاء لابنتها وقد خرجت سافرة من تُحَيتُ ومن عَلُ: لا تنسي صكك، وإذا عادت إلى البيت بعد هدء من الليل، أشعلت المسجل ليساقطها أغاني من آخر ما ظهر مما تنتجه الألبومات، من جركها وجازها وبوبها، على ذلك تنام وعليه تصبح. أما أمها العجوز الفانية فبدلا من أن تقرأ حزبها اليومي من كتاب دلائل الخيرات فإنها تنزوي في ناحية من البهو لتلاعب ابنتها الصغرى دستا من لعبة سكرابل ترص حروفها من اليسار اليمين ويبت كتاب الروبير الكبير أو اللاروس الصغير فيما يشكل من أمرها..
“أتدري ماذا سيكون بعد ذلك، سينشأ جيل لم يسمعوا بالقرآن ولا يدرون ما الكتاب ولا الإيمان، ولم يسمعوا بسيد عدنان وقحطان مساكين تهوي بهم الريح في كل مكان. هنالك تداس قيم البلاد وثوابتها ومقدساتها بالأقدام، يدوسها الأقزام الأقدام. –لا قدر الله- وإذا كان ذلك فستُندلُ خيرات البلاد إلى تلك الدولة- المبايعة- ندْل الثعالب، ويطرد عنها الشعب المسكين طرد الغرائب. وإذا كان ذلك كانت البلاد- لا قدر الله- نهز لمن راقها، ولقمة سائغة لمن سامها، إذ لا مدافع عنها من أبنائها، فأبناؤنا مسخوا وليس لممسوخ نسل كما يقال. فهل يرضى حر بهذا؟ كلا والله. يأبى الله عن ذلك والمؤمنون ونساء بني تميم ورجالها بعد ذلك… اللهم التفتح ولا التفسخ والشراكة ولا الركاكة، والاستقلال ولا الاستغلال…
الحق أقول لك يا عيسى فاسمع يا ابن هشام: إنها الهوية أو الهاوية!”.
ولا ندري هل اقتنع عيسى بن هشام بما ساقه إليه صديقه من البراهين أم أجل الرد عليه إلى حين، فقد كان يداري منه حدة فخشي أن يحل اللكام والكدام مكان الكلام، وأن تحل الضربة والشجة، محل الحجة، فسكت على مضض، أم خاف أن يعلو الخصام بينه وبين صديقه فيحسب المارة ونظارة الفتن أنه امتناع عن أداء فاتورة المقهى فنادوا عليه خذوا اللص السارق، فتتدخل شرطة المخفر ويجل الخطب ويعظم الأمر، فآثر حسم تلك المادة بالسكوت والتزام البيوت على أن يعيد الكرة في أول فرصة تسنح، فمن طبيعة هذا الموضوع أنه يموت ثم يحيا ثم يموت ثم يحيا لأنه لم يجد قط من يميته أو يحييه.
الموضوع السابق