شكلت خياطة الملابس فرصة لذوي الدخل المحدود من أبناء مدينة كيهيدي، بل وحتى الولاية عموما، قياسا على باقي المدن الموريتانية التي نالت حظها من نفس المهنة، فباتت هذه الحرفة وجهة للعديد من شباب المنطقة يؤمنون من خلالها قوة يومهم ويدخرون منها ما يقيهم مسألة الغير، بعيدا عن الاتكالية.
ولئن كانت خياطة الملابس في كيهيدي قبل أن تكون مهنة يبدع فيها ممتهنوها وتدمج في مقررات المعاهد المهنية، واحدة من المهن الحرة التي استقطبت الشباب الموريتاني العاطل عن العمل في بداية ظهورها في الوطن، إلا أنها تظل مهنة رغم بساطتها تحتاج لمهارات عالية ودقة في العمل، كما أن الخبرة في المجال تلعب دورا كبيرا في جذب الزبائن، حيث يقدر ممتهنوها في الولاية بالمئات.
وتعرف هذه المهنة رواجا كبيرا في عاصمة الولاية وأريافها بفضل استجابتها لمواكبة العصر والتطوير وفقا لأنماط الموضة الحديثة و متطلباتها، تساهم بشكل كبير في استقطاب اليد العاملة الشابة من حملة الشهادات والباحثين عن العمل داخل الولاية.
وحسب العاملين في هذه المهنة فإنها لا تزال تعاني الكثير من النقص الحاد في الوسائل التي تتيح لها التطور والاستمرار، إضافة إلى النقص في المساعدات التي توفرها الدولة لنظيراتها من المهن الحرة الأخرى، خاصة أنها تعتبر من المهن اليدوية الحرة الشريفة، حيث يعمل بها الكثير من مختلف الأجناس، مؤكدين ضرورة دعم هذه المهنة وتنظيمها بشكل أفضل لتستجيب لمتطلبات العصر وفق خطط محكمة وطموحة تلبي طموح المنخرطين فيها بشكل عام.
وفي هذا الإطار التقى مكتب الوكالة الموريتانية للأنباء في كوركل مع بعض العاملين في هذا المجال بالسوق الكبير بكيهيدي، حيث عبروا عن اعتزازهم بهذه المهنة التي تعتبر واحدة من أكثر الهوايات انتشارا بين الشباب، هذا ما أكده الشاب امينو ولد عبدا لله صاحب محل خياطة وبيع ملابس، موضحا أن العديد من الشباب بجميع الأعمار يمارسون مهنة الخياطة كهواية وعمل أيضا، لافتا إلى أن البعض منهم بات يتقن مهاراتها بإبداع وتفنن من خلال التطريز وغير ذلك من الإبداعات التي شكلت تميزا وتماشيا مع الموضة لدى بعض ممتهني المهنة.
وأوضح أن عملة الخياطة الطبيعية تمر بمراحل أساسية، منها أخذ قياسات أجزاء الجسم المختلفة، من حيث الطول والعرض لتناسقه مع قطعة القماش قيد الطلب، وذلك من خلال القيام بلف شريط القياس حول الصدر لمعرفة القياس المطلوب، وبعد الانتهاء من عملية قص القماش وتحضيره، تبدأ عملية خياطته، وتسليمه للزبون.
ومن حيث أهمية هذه المهنة ودورها في تغذية السوق بالملابس الجاهزة، أكد السيد أمينو، الذي بدأ في ممارسة هذه المهنة 2016 بعد ان أمضى عاما في التكوين المكثف على الخياطة بمختلف أشكالها إلى أن أصبح بارعا في هذا الفن، حينها بدأ يدرس مشروعه الخاص ليفتتح محلا خاصا به، من خلال استئجار محل جديد يمارس فيه أعماله التجارية بكل حرية، وهو ما جسده فعليا على أرض الواقع بعد أن أيقن أن المشروع قد يعود عليه بنفع يسير، مؤكدا أنه بذل ما بوسعه بهدف إنجاح المشروع الذي أخذ من وقته وجهده وماله الكثير، لافتا إلى أن مشروعه في الوقت الحالي بدأ ينموا ويتطور لعدة عوامل منها اللمسات الأنيقة التي تضفي جمالا الملابس المعروضة والخاصة، مشيرا إلى أن دخل المحل اليومي بدأ يتراوح ما بين 450 إلى 500 أوقية جديدة، بينما اليوم ازداد الدخل اليومي ليصل حدود أل 10000 أوقية قديمة، داعيا كل الشباب الموريتانيين إلى التوجه لمثل هذا النوع من المهن الحرة مساهمة في انتعاش الاقتصاد الوطني وتكريسا لروح العمل الجاد بعيدا عن الاتكالية على الغير.
وأضاف أن الخبرة الطويلة التي راكمها خلال تكوينه على المهنة، استفاد منها كثيرا في تمييز أنواع الملابس من حيث الجودة، ومعرفة متطلبات السوق الأكثر رواجا، مطالبا من الجهات الحكومية بضرورة تمويل المشاريع الصغيرة وإعطاء عناية خاصة لمثل هذه المهن التي تدر بالنفع على أصحابها، مشددا على ضرورة إيجاد صندوق خاص لتمويل المشاريع الصغيرة دون فوائد.
ومن جانبه قال السيد سيدي ولد حميدي صاحب ورشة يزاول المهنة منذ تسعينات القرن الماضي بالولاية، أن هذا النوع من المهن مفتوح أمام الجميع، ويحظى باهتمام كبير من لدن الساكنة، خصوصا سكان مدينة كيهيدي، مبينا أن رواد السوق من جميع ولايات الوطن والمقاطعات والقرى التابعة للولاية يولون أهمية كبيرة لهذا المجال، وهو ما انعكس إيجابا على ورشات الخياطة بشكل عام، ضيفا أن الدخل يتأرجح حسب الإقبال الذي يزداد أحيانا ويتناقص أحاين أخرى.
وقال إن الإقبال يشهد تزايد ملحوظا في فترة الأعياد والمناسبات، إذ تنتعش الحركة ويزداد الطلب، موضحا أن دخله يتراوح كغيره من زملائه لليوم مابين 500 أوقية إلى 900 أوقية قديمة، مطالبا الدولة بدعم المشاريع الصغيرة والمهن الحرة بشكل عام لأنها ستكون الوسيلة الأنجع للتخفيف من البطالة.
تقرير : عيشانه زيني احمد المختار