بقلم: بابا الغوث
خلق الله سبحانه وتعالى لنا هذه الأرض.. وقدر فيها أقواتها وأنبت فيها من كل زوج بهيج وسلك فيها المياه ينابيع وأرسى عليها الجبال ودحاها ومهدها لتكون لنا مركبا ذلولا آمنا من العثار والاضطراب. ثم استخلفنا عليها لنمسك بزمام السيادة عليها ولنسوسها وجعل العلم بأسماء موجوداتها ومعاني حقائقها هو سلاحنا لإدارة شؤونها وسياسة أمرها وذلك حينما علم آدم الأسماء كلها بإلهامه القدرة على وضع الإسم المناسب على كل شيء من أشياء الأرض، وأورث آدم ذك العلم لأولاده فصاروا يتناقلونه وارثا عن سالف وبتلك التركة العلمية مكن الله لأبناء آدم في شأن الأرض فأخذ يوظف عقله ويقيس على معارفه حتى أدرك من حقائق الأرض جل ما هو في حاجة إليه لإثراء حياته وإشباع حاجاته وتلبية حوافز فضوله إلى المعرفة. ثم اتسع نطاق اطلاعه على تكرار التجارب وطول الوقت فوجد نفسه مضطرا لترتيب معارفه وتصنيفها لكي يميز بين كل الاختصاصات، فميز علم الحساب عن علم الهندسة وعلم الجغرافيا عن علم الجيولوجيا وعلم التشريح عن علم البيولوجيا وهكذا دواليك حتى استقلت شخصية كل علم عن صنوه، الأمر الذي يعرف منه مدى دقة الإطلاع الذي وصل إليه الإنسان في مسارات الزمن في معالجاته لمسائل الأرض. وكانت الجبلة والشعور الدائم بالحاجة وراء تلك المسيرة العظيمة للبشرية من لدن آدم وحتى اليوم وبما أنه ما من سبيل إلى تغيير جبلة الإنسان وما من سبيل إلى إفقاده الشعور بالحاجة، فإن المسيرة ستواصل دربها حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولكننا نلاحظ أن أطرافا قصية جمدت فيها ينابيع الجبلة وضحل فيها الشعور بالحاجة لدرجة أنك لا ترتاب بأنها تشكل حالة غريبة عن منهج المسار الذي عبرته البشرية وتعبره. ومن هذه الأطراف القصية بلادنا بالاستحقاق الأول والامتياز الأكمل. إننا نعيش على هذه الأرض من أقدم الأزمنة وهي أرض متنوعة تنوعا رائعا من شأنه أن يجعلها يكمل بعضها بعضا بحيث لا يحتاج سكانها إلى غيرهم في شأن من شؤون الحياة الاقتصادية ولك أن تعظم بالأرض التي تتكامل في مزاياها… وأكرم بها موطنا كريما ملائما ومساعدا على التطور المطرد. والتطور المطرد هو آلية الاستمرار.
هذه الأرض جانب منها ينبت التمر وجانب ينبت الزرع وجانب ينتج المراعي الخصيبة. وكأن بها غطاء نباتي عجيب في تنوعه وكثافته وجودته وجماله ولكن الإنسان الذي عاش عليها كل ذلك الوقت كان حظه من هذه المعطيات الطبيعية الجهل المطبق. كان لا يعرف قليلا ولا كثيرا عن مفردات ذلك الغطاء النباتي. لا يعرف الطبيعة التكوينية لتلك الموجودات ولا يعرف النافع منها ولا الضار اللهم زعم بعضهم عن نبتة تدعى باللهجة (تنككليت) ربما كانت هي الحبط الذي حينما تأكله الدابة تنتفخ فتبدو لمن لا يعرفها وكما لو كانت سمينة. هذه النبتة يعرفها بعض الناس ويتهمها بأنها نبتة قاتلة ما عدا ذلك من ملايين الأعشاب لا يعرف عنها ولو معلومات زهيدة. ناهيك عن الجهل الشامل لغطاء الأشجار ولا تسأل عن مدى الجهل بعينات الصخور وعينات التربة. هذه الثروة الهائلة لم يعرف عنها شيء في الماضي وفي استطاعتنا أن نلتمس لأجدادنا العذر في جهلهم ذلك الفظيع لوسطهم الذي ولدوا فيه وعاشوا فيه ودفنوا.. نستطيع أن نلتمس لهم العذر لأنهم كانوا في زاوية مظلمة كثيفة الظلام لا تصل إليها أضواء الحضارة ولا تتناها إليها نسائم الوعي العلمي لبعدها وانقطاعها في هذا المنعزل المخيف ولكن إذا اعتذرنا عن أولئك بهذه الحجة فبماذا نعتذر عن هؤلاء وقد غشيهم من أنوار الحضارة وتناكبهم من رياح المعرفة ما تناكبهم؟! ما عذر هؤلاء الذين أسست لهم دولة واتصلت أسبابهم بالعالم اتصالا مباشرا وقويا من أول يوم منذ نصف قرن؟
ما الذي منعهم من وضع سياسة تعليمية ميدانية تستهدف فيما تستهدف استخلاص المعلومات العلمية من مكونات الوسط الطبيعي؟ لماذا تجهل الأجيال المتخرجة حقائق الوسط الطبيعي؟ لم يمنعهم أي مانع كائنا ما كان.. ولكن كان الإهمال والتخاذل والإستهتار بالمصالح العامة وراء ذلك الكود المقيت الذي عطل هذا الجانب الغني من الثروة الطبيعية للبلاد وحرم المجتمع من منابعها الجمة في الميدان الغذائي والصحي والجمالي.
والآن.. الآن ما الذي يمنع هؤلاء الذين وضعوا أيديهم على ثروات طائلة بالطرق المختلفة من استثمار جانب من ثروتهم في دراسة الثروة النباتية والتعرف عليها ميدانيا لاكتشاف الكنوز العظيمة التي تحتوي عليها واستغلالها لصالح المجتمع؟
إنهم يمارسون تجارة السلع الرخيصة التي يستجلبونها من آسيا ليسرقوا بها جانبا من القوة الشرائية للمواطن فإذا ما ابتاعها منهم وجدها فاسدة لا تصلح لشيء وهم يعلمون أنها فاسدة لأنها صنعت من مواد رخيصة حسب طلبهم ليشتروها بثمن قليل ويبلوا بها المواطن الموريتاني بعد أن سلبوه ثمنها فإذا حاول استخدامها فسدت بين يديه فندم حيث لا ينفع الندم وإذا راجع التاجر أسند ظهره إلى الجدار الذي خوله- أصلا- المتاجرة بالسلع الفاسدة والمتاجرة بالأدوية المزورة التي كانت السبب في هلاك أجيال بكاملها.. وقد مر ذلك بسلام ودونما حتى اعتراض أحرى محاكمة أو نحو ذلك. قلت: لم لا ينبري من بين هؤلاء أو من غيرهم من يوظف جانبا من ثروته في بناء مختبر علمي حديث يوظف فيه خبراء وحبذا لو وظف فيه بعض المتخرجين الجدد من ذوي الاختصاص في علوم النبات وبايلوجيا النباتات وخبراء التحليل.. ثم أخضع عينات عديدة من النباتات الوطنية للتحليل المخبري ليتم التعرف على الأنواع الغنية بالمواد:
– الغذائية البيئية
– الغذائية الحيوانية
– الدوائية البشرية
– الدوائية الحيوانية.
– ثم العينات السمية المفيدة في المجالات المختلفة كمجال إبادة الحشرات وتطهير الأمكنة من البؤر الجرثومية.
إنه بمشروع كهذا يستفيد إفادة عظيمة ويفيد المجتمع لأنه أنتج له ما هو في حاجة إليه.. ولأنه أماط اللثام عن ثروة وطنية جديدة كانت معطلة رغم تزايد الحاجة إليها. ناهيك عن إثراء المجال العلمي بمعين من المعارف من الطراز الرفيع.