AMI

هذه الصورة الجملية بقلم/ المختار السالم: elmoctar@gmail.com

هناك من يسعون ويحلمون بأن تصبح الماكينة السياسية الموريتانية “خردة” غير نافعة لا يصدر عنها أي صوت ولا تقوم بأي حراك، أي أن تكون مجرد أحزاب وشعارات ميكروسكوبية محجوزة في “مختبرات” ما بعد العين والأذن والأنف.
إن هذا لا يليق بالتجربة الديمقراطية الموريتانية التي تجاوزت الكثير من “التوباهات” التي كان يتوقع أن تقع في “أفخاخها” فتتعطل إلى ما لا نهاية وتصبح من “الماضي” دون إحراج.
لقد كانت “التنبؤات” سخية جدا، ومن سياسيين وكتاب بارزين في الخارج، بأن التجربة الديمقراطية الموريتانية سوف تشهد انتكاسة وينتهي “الديمقراطيون” إلى قضبان المعتقلات.
لكن حدث العكس، فقد أثبتت النخبة السياسية الموريتانية، معارضة وموالاة، أنها أذكى بكثير من خطوط العرض والطول التقليدية في “الجنوب”، فتجاوزت كل الإكراهات، حتى لو كانت تتفق قليلا وتختلف كثيرا.
ولهذا لم تهدأ الماكينة السياسية الموريتانية وظلت تعمل بأقصى طاقتها “دون إسعافات” أولية و”دون إشعار آخر”، وأكدت أنها لا تخاف نفاد الوقود فهي تعمل بـ”الرمال المتطايرة”.. فارتفع السجال ممهدا لسجال أوسع وأكثر تعقيدا.. وأجمل إثراء وتنوعا وقدرة على امتصاص الصدمات والعلو على المطبات التي ابتلعت بلدانا وشعوبا أخرى.
إن الصورة التي شاهدناها الأسبوع الماضي في المعرض الدولي الأول للمعادن، حيث كان رئيس الجمهورية يتجول بصحبة أبرز زعماء المعارضة، لا نشاهدها في أي بلد عربي ولا إفريقي، بل لا نشاهدها في أي بلد من الجنوب.
يحدث ذلك في وقت يعلم فيه الجميع داخليا على الأقل أن موريتانيا “تابت” عن تصنيع أدوات الإرجاف و”الكمامات المانعة للتسرب اللفظي”، وودعت عهد السجون السياسية، وأنتجت طبقة سياسية قادرة على الاختلاف بجدارة لكنها ترفض سدّ قناة الحياة.
إن هذه النتيجة لم تأت اعتباطا، ولم تكن خبطة عشواء كما يروج البعض، وبالطبع ليست ترفا سياسيا، بل هي ترجمة لنضال المخلصين من كل القوى السياسية الوطنية الذين راهنوا على تطور العقلية السياسية العمومية، ووصولها إلى نقطة اللاعودة فيما يتعلق بتأمين حرية النشاط السلمي والتعبير الحر.
والمتابع اليوم لأوجه الصراع السياسي في البلاد كما تنقله التجمعات الجماهيرية والمؤتمرات الصحفية والتصريحات والبيانات والمقالات والخواطر والتحليلات، يدرك أن عقلية “الصاع” هي سيدة الموقف، في حين أن “الآخرين” (وراء الحدود) يخنقون الديك خوفا من تفكيره يوما في البذرة.
هذه التجربة التي هي ثمرة نضال “الأوفياء” من كل الأطراف في الساحة الوطنية، حيث لا يرهب أحد أحدا ويعلم الكل أن “صاعه” سيعود إليه “صاعات” مضاعفة، يجب، من وجهة نظري المتواضعة، أن تنتقل إلى مرحلة أسمى متعلقة بلهجة الخطاب السياسي.
ذلك أن “خطاب التشنج” الذي يلحظه المراقبون عند هذا الطرف أو ذاك، هو موضة قديمة سياسيا، لم تعد مواكبة لمستحقات المرحلة، بل تبدو غريبة “فنيّا” على سياقها.
ولا يعني ذلك أننا نطالب بعمليات جماعية لنزع القرون، ومن ثم “تعرية الرؤوس من وسائل الدفاع الغريزية”، كما لا نطالب بتقليم الأظافر السياسية، فالأظافر تعاود النبات طبيعيا، لكن هل من المحتم أو المفيد أن تستخدم بالسالب دائما؟
إن قراءة متأنية لصفحات تراثنا السياسي تثبت أن “التشنج” أفسد أكثر مما أصلح، وأن “التعقل” أفاد أكثر مما كان متوقعا، وهذه ملاحظة تنطبق حتى على عهدنا في أيام “ديمقراطية الحزب الواحد”.
الآن وقد تجاوزت تجربتنا الديمقراطية مخاوف العقم فأنجبت عشرات المواليد الحزبية التي من بينها – ما شاء الله – أحزاب كبيرة لا تنقصها العقول ولا الكوادر القادرة على الرؤية السليمة، سيكون من “السذاجة” أن نسمح لأنفسنا بتكرار “الأخطاء الصغيرة”.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد