AMI

خطاب الرئيس أمام سكان ولاية تيرس الزمور

عقد العقيد اعل ولد محمد فال رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، رئيس الدولة، مهرجانا بمدينة الزويرات حث فيه جميع الموريتانيين على التصويت للدستور المقترح للاستفتاء في الخامس والعشرين يونيو القادم،باعتباره العمود الفقري لنجاح الديمقراطية في البلاد والضامن للتداول السلمي للسلطة.

وهذا نص خطاب رئيس الدولة أمام سكان مدينة الزويرات

“بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله،

أود أولا وقبل كل شيء أن أشكركم على تواجدكم بهذا الكم الكبير، وهذا الحشد الذى إن عبر عن شيء، فإنما يعبر عن مدى تعلقكم واهتمامكم بالقضايا الوطنية، وما يجرى اليوم فى بلدكم.

وسواء كنتم هنا تحت لواء حزب سياسي وطني، أو تحت أي لافتة أخرى، أو كان مجيئكم هنا تلبية لرغبة شخصية، فإننى أشكركم على حضوركم لهذا المهرجان المخصص لقضية وطنية هامة هي التى استوجبت حضورى هنا اليوم للحديث معكم حولها.

وأنتهز الفرصة هنا لأشكر الأحزاب السياسية الموجودة والوجهاء الحاضرين هنا، والذين شاركوا فى تعبئة المواطنين لحضور المهرجان.

وبما أننى فى ازويرات، ولأن أي حديث فى هذه المدينة لا يستقيم ما لم يشمل شركة “اسنيم”، فإنني- قبل تناول النقطة الأساسية فى هذا المهرجان- أود أن أشكر كوادر وعمال هذه الشركة التى شكلت، منذ إنشائها، تعبيرا صادقا عن استقلال هذا البلد، ونموذجا على قدرات وكفاءات أبنائه.

وتلك شهادة أود أن أقدمها أمامكم اليوم وأمام أطرها وكل المرتبطين بها، لأؤكد أن العمل الذى قام به الأطر الموريتانيون فى هذه الشركة الوطنية، ينبغى أن يمثل القدوة لنا جميعا، مهما كانت مواقعنا، وأيا كانت مهنتنا، ويجب أن ينير لنا الطريق التى نسلكها.

فالقدرات التى أظهرها هؤلاء الأطر، والكفاءات التى تميزوا بها، تؤكد قدرة الموريتانيين على التطور والسير إلى الأمام، وتبرز قدرة شعبنا على التحكم فى شؤونه الداخلية والخارجية، وتبرهن على أن هذا الشعب قادر اليوم على أن ينهض ببلده، ويسير فى الاتجاه الجديد الذى نود أن يسلكه ليتمكن من تسوية كل المشاكل التى تعترض سبيله.

إن القضية الأساسية التى استدعت حضورى هنا اليوم، هي الحديث معكم حول التعديلات الدستورية المقترحة، ولأؤكد لكم أن الدستور فى صيغته المقدمة للاستفتاء، يشكل العمود الفقري للتغيير السياسي الذى ننشده، وبدون نجاح هذا التعديل، وبنسبة عالية، فإن التغيير السياسي الجارى يبقى مشلولا، بل قد يكون مستحيلا.

وهذا ما يدعونى إلى العودة لشرح أبعاد ومضامين هذا التعديل، وإبراز أهميته وتكرار ذلك ولو للمرة العاشرة.

واسمحوا لى أن أبين لكم لماذا نعتقد أهمية التعديلات لتغيير النظام السياسي فى البلاد.

إن المشكل المزمن الذى عشناه منذ الاستقلال، هو أننا لم نعرف أي تغيير سياسي سلمي، ولا دستوري وقانوني، ويستدعى هذا أن نتساءل لماذا يحدث ذلك؟ هل لأننا أحط مستوى من الشعوب الأخرى؟ أم لأننا أقل دراية وحنكة؟ أم هل نحن أقل تحضرا وقدرة على تنظيم أمورنا بطريقة مدنية حضارية، تصمن لنا سير الأمور بشكل دستوري وقانوني؟.

إن الجواب على هذه التساؤلات واضح بالنسبة لى.

فنحن لسنا أقل شأنا من الشعوب المتقدمة، ونستحق أن نكون فى وضعية سياسية مقبولة، تجنب شعبنا المشاكل التى عاش بعضها فى الفترات الماضية.

وهذا ما استدعى منا تطوير نظامنا السياسي، ووضع أسس منهج سياسي جديد، وهو ما تم اقتراحه فى التعديلات الدستورية، المطلوب منكم أن تصوتوا عليها يوم الخامس والعشرين من شهر يونيو المقبل.

فما هي الاقتراحات المقدمة إليكم؟

إن الاقتراحات تتمثل- من بين أمور أخرى- فى تقليص مأمورية رئيس الجمهورية، وحصرها فى إنابتين لا تتجاوز كل منهما خمس سنوات.

فما هي نتائج ذلك علي النظام السياسي للبلاد؟.

سأحاول أن أبسط شرح ذلك، وإن كنت قد شرحته من قبل عدة مرات.

إن الأزمات والمشاكل السياسية التى تعيشها الدول، غالبا ما تعود إلى أن البعض يستولى على السلطة، ويستمر فى الحكم ثمانية عشر، أو عشرين، أو خمسة وعشرين عاما، وربما -إذا سمحت له الظروف- يستمر حاكما أربعين أو خمسين سنة.

وخلال فترة الحكم الطويلة تلك، يسيطر عليه الشعور بأنه غير مراقب ولا سلطة لأحد عليه، ويظل يتصرف من منطلق أن مرجعيته ليست الشعب.

ومع الأيام يبدأ التفكير فى من يخلفه ويقول: عندما أعجز صحيا أو يمنعني أي مانع عن ممارسة الحكم، سأولى من أختار، وبالتالى فأنا لا أخشى أي شيء، وباستطاعتى أن أحكم كما أشاء، وأسير الأمور بالطريقة التى أريد، ولصالح من أحب.

هكذا حدث فى بعض الأحكام التى عرفناها فى السابق، فما هي انعكاسات ذلك على بلدنا؟.

إن أي حكم لن يتمكن من البقاء أربعين أو ثلاثين سنة، لأن الانفراد بالسلطة يؤدى إلى المشاكل، ولا بد أن يحدث التغيير إما بانقلاب عسكري، أو انفلات الأمور المؤدى إلى الحرب الأهلية لا قدر الله.

وبعد عشرين سنة نجد أنفسنا وقد خسرنا وخسر بلدنا فترة زمنية طويلة.

هذا ما يحدث عندما يكون الحكم مطلقا وليس هنالك تحديد للمأمورية الرئاسية، أما إذا كان هنالك تناوب على السلطة، وكان هذا التناوب مفروضا دستوريا، فلا بد لمن يتولى السلطة أن يحاسب نفسه، ويتصرف من منطلق المسؤولية، ويسير الأمور بطريقة تجنبه التعرض للمساءلة والإدانة من طرف من سيخلفه.

فمن يأتى بعده سينظر فى كل القضايا، ويفتح كل الملفات، وعندما يكتشف أن هنالك خيانة، أو مخالفات قانونية، سيحاسبه.

ومن هذا المنطلق فلن يكون هنالك من يقبل لنفسه الوقوف فى قفص الاتهام، وبالتالى فلن يتصرف تصرفا غير مسؤول.

هذه هي المسألة الإيجابية الأولى للتناوب السلمي على السلطة

أما المسألة الثانية المهمة فيما يخص التناوب علي السلطة هي أن إستمرار شخص ما في السلطة لفترة طويلة ، عشرين سنة أو ثلاثين سنة ، لابد أن يولد نقمة تظل في ازدياد مما قد يؤدي في النهاية إلي انفلات الامور من يده ، بل ومن يد الشعب ويصبح من الصعب التحكم في مصير الوطن وهو منزلق خطير يهدد كيانه .

في حين أن التناوب السلمي علي السلطة يجنب البلاد هذا المنزلق ويحد من تراكم النقم.

أما المسألة الثالثة المهمة في نفس المجال هي بروز الطبقة السياسية البديلة المؤهلة لتولي الحكم.

ففي ظل الأنظمة التي عرفتها بلادنا في السابق لم يكن بالإمكان ظهور هذه الطبقة ، لأن أي سياسي لديه طرح مغاير لطرح النظام القائم ، يتم إقصاؤه بنفيه إلي الخارج أو إلصاق مختلف التهم به لمنعه من المشاركة.

وهذا ينتج عنه انعدام بديل مهيىء للتناوب علي السلطة.

والمسألة الرابعة المهمة كذلك فهى أن معالجة المشاكل الوطنية تحتاج تعددا في الرؤى لتجد حلولا جذرية.

وفي حالة بقاء نظام واحد سائد لأكثر من عشرين سنة فإن هذه المشاكل ستتفاقم إلي أن تؤدي إلي الإنهيار للمجتمع.

وإن التناوب علي السلطة يمكن من وجود قيادة جديدة كل خمس سنوات أو عشر سنوات علي الأكثر، وفي كل مرة تتم معالجة القضايا الوطنية بروح جديدة وبأسلوب مغاير وبعقلية مختلفة.

أما المسألة الخامسة والأخيرة، فهي أن التداول علي السلطة يقطع الطريق أمام كل محاولات التغيير غير الدستوري وغير القانوني للسلطة، فما دام التناوب علي السلطة يؤدي إلي تسوية المشاكل التي يتذرع بها من يرون تغيير السلطة بالطرق غير الطبيعية، فإننا نكون قد أمنا بلادنا من أي تغيير غير دستوري لأنه سيكون مرفوضا داخليا وخارجيا.

وسأعود قليلا إلي الوراء لأذكر بأنه منذ استقلال البلاد في سنة 1960 جري أول تغيير للسلطة سنة 1978 بواسطة انقلاب عسكري.. ومنذ ذلك الوقت وإلي سنة 1984 وقعت 3 أو 4 انقلابات.

وفي سنة 1984 تم تغيير السلطة بواسطة انقلاب. وفي سنة 1991 كان بوسعنا أن نتجه الاتجاه الصحيح لولا أننا رجعنا إلي نفس الممارسات السابقة لندخل في ورطة أخري كان لابد للخروج منها من القيام بانقلاب جديد.

واؤكد أن المسألة ليست مسألة شخص بعينه، إنها مسألة نظام. وما دمنا نسير في هذا الطريق، فسنقع في نفس المشاكل التي عرفناها علي مدي العقود الماضية.

وهذا ما يجعلني اؤكد لكم مرة أخري أهمية الاستفتاء علي الدستور في يوم 25 يونيو 2006، فلابد أن يدرك كل واحد منكم أن هذه قضية وطنية تعني الجميع، ولا يمكن لأي أحد أن يتقاعس عنها لأنها مفتاح التغيير نحو الأفضل إذا ما حصل هذا الدستور علي نسبة كبيرة وبنسبة مشاركة عالية.

فبذلك وحده تتجه بلادنا الاتجاه الصحيح الذي سيمكننا من إقامة دولة مدنية تسير شؤونها بطريقة حضارية وقانونية بعيدا عن الإنقلابات والحروب الاهلية.

واسمحوا لي أن أحدثكم في أمرين آخرين.

أولهما أنني أستغرب كثيرا تصرفات يقوم بها البعض من لايستوعبون التحولات التي تشهدها البلاد.

فلقد حاولنا منذ أول يوم لتغيير الثالث أغشت أن نتيح الفرصة لجميع الموريتانيين، أيا كانت انتماءاتهم أو آراؤهم، ليعبروا بكل حرية عما يريدون التعبير عنه بطريقة قانونية وشرعية.

ومع ذلك لا يكاد يمر يوم دون أن نشهد ظهور منشورات غير موقعة تخدم أغراضا شخصية.

إن من يقفون وراء هذه المنشورات، مصابون بمرض ذهني، ولا أتورع من أن أصفهم علنا بذلك. وأقول لهم إن (أي أمر تجاوز الحد يصبح عديم القيمة) –كما يقال- ، ذلك أننا بحاجة إلي تغيير عقلياتنا ومسلكياتنا في التعامل مع الأمور.

إن بقاء بلادنا رهينة لمثل هذه التصرفات، أمر لن يفيدنا في شيء.

وإن التحولات التي نمر بها كفيلة بأن تبعدنا عن مثل هذه المسلكيات علي وجه من يبغي ومن هو كاره.

أقول ذلك بكل صراحة ليعي الجميع أن مثل هذه الممارسات قد ولي عهدها وإلي الأبد، ولم تعد تجدي شيئا بالنسبة لأصحابها.

لقد كان أصحاب هذه المنشورات المجهولة المصدر يستفيدون في العهد الماضي بأن يكونوا موضع بحث وتحريات حتي يتم العثور عليهم وعند اكتشافهم يعينون في مناصب سامية..

واؤكد هنا أننا لن نبحث عن هؤلاء ولن يعينوا وزراء كذلك.

أما الأمر الثاني الذي اردت أن أحدثكم عنه فيتعلق بموضوع المواطنة ومفهومها، ذلك أن بلادنا مقبلة علي تطور حقيقي يتطلب من شعبنا الإستعداد ليكون مؤهلا لإستيعاب هذا التطورالمرتقب.

إن الفهم الصحيح للمواطنة هو مفتاح نجاحنا في تحقيق الرقي الذي نصبو إليه.

فشعبنا كغيره من شعوب العالم ، يتكون من قوميات وقبائل لكل منها بعدها في الدول التي تجاورها وهذا لا يتناقض مع المواطنة .

والمواطنة هي الإنتماء إلي دولة لها حدودها ولها خصائصها.

والمواطنة لها ضوابطها القانونية، ومن تتوفر فيه هذه الضوابط والمعايير التي تم تحديدها سلفا هو من يستحق أن يكون مواطنا موريتانيا وليس أي شخص آخر.

وهؤلاء هم المواطنون ، لقد ركزت علي مفهوم المواطنة لأننا وجدنا أن بعض قضايانا يحاول البعض ربطها بقضايا أخرى لا علاقة لها بها.

وفي هذا السياق أود أن أوكد أن أي قضية وطنية مرتبطة بمواطنينا هي مشكلتنا جميعا وستتم تسويتها بالطريقة التى نسوي بها قضايانا الوطنية الأخرى.

بهذه الرؤية يمكن أن نتجه نحو حل مشاكلنا الوطنية بما يتماشى ومصلحة البلاد وبما يخدم مصلحة أجيالنا.

وأشكركم مرة أخري علي هذا الحضور.

والسلام عليكم ورحمة الله .”

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد