ألقى العقيد اعل ولد محمد فال، رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، رئيس الدولة خطابا أمام سكان مدينة كيفة مساء اليوم الأحد شكر في بدايته المنتخبين ورؤساء الأحزاب السياسية والوجهاء والمواطنين على الحضور الكبير المعبر عن مدي تعلقهم بالقضايا الوطنية ودعا الجميع إلي التصويت بكثرة في الاستفتاء الدستوري المقرر في 25 يونيو المقبل.
وتطرق رئيس الدولة في خطابه للقضايا الوطنية مبينا أن الوطن مقبل على وضعية سياسية واقتصادية واعدة في زمن قصير وان مواكبتها تتطلب إنجاح الرهانات السياسية المرتقبة.
وهذا نص خطاب رئيس الدولة أمام سكان مدينة كيفة مساء اليوم:
“بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله
أود في البداية أن اشكر السادة المنتخبين ورؤساء الأحزاب السياسية والوجهاء والمواطنين الذين حضروا هذا التجمع الحاشد الذي عبرت من خلاله مدينة كيفه عن مدي اهتمام سكانها بالقضايا الوطنية.
واود ان أبدأ بالحديث عن هذه المدينة ومن ثم عن وضعية البلاد ككل قبل ان أتطرق إلي القضية الأساسية التي من اجلها جئتكم اليوم.
فبخصوص مدينة كيفه – وكما أكدت خلال اجتماع الأطر- فإنها مدينة ذات مستقبل واعد إذ ستصبح في القريب العاجل احدي أهم مدن البلاد إن لم تكن أهمها علي الإطلاق نظرا لعوامل موضوعية؛ فبحكم موقعها الجغرافي ستكون المدينة ملتقي لشبكة طرق هامة أولها طريق سيليبابي-كنكوصه-كيفه الذي سيتم تشييده قريبا وثانيها الطريق الذي سينطلق من كيفة باتجاه بومديد ثم تجكجة فاطار وشوم حيث يرتبط بالطريق المؤدي الي تيندوف بالجزائر.
وبهذا الوضع تتصل مدينة كيفة بالشبكات الدولية للطرق فهي مرتبطة بدولة مالي المجاورة عبر طريقين: طريق الأمل من (كيفة الي لعيون انيور) وطريق كيفه –كنكوصه-سيليبابي .
ثم انها تتصل بالشبكة الدولية عبر طريق نواكشوط-نواذيبو المتجهة الي المغرب العربي، علاوة علي ارتباطها بطريق تندوف بالجزائر عبر طريق (كيفة-بومديد-تجكجة-اطار-شوم) .
وعلي هذا الأساس من الواجب البدء في تحضير المدينة لهذا التحول الهام وقد أعطيت التعليمات الضرورية لكل الوزارات لتعمل كل فيما يعنيها.
وبخصوص حالة البلاد فهي مقبلة علي تحول سياسي واقتصادي سيعمل علي تطويرها وتنميتها ..
ولكي لا يخرج هذا التحول عن المسار الصحيح او يتم تقويضه لابد من تحضير البلد لذلك علي نحو قويم وسليم يمكن هذا التحول ان يسلك الطريق المراد له.
ان بلادنا تزخر بثروات كبيرة حيث بدأت شركات التنقيب باستغلال بعض المعادن كالذهب والنحاس في حين تواصل شركات أخري التنقيب عن المعادن النفيسة والماس وحصلت علي مؤشرات مشجعة في هذا الصدد.
فضلا عن البترول الذي بدأ استغلاله علي نحو مقبول وتدل المؤشرات الحالية علي ان انتاجه سيتضاعف خلال السنتين المقبلتين.
في ضوء هذا فان بلادنا لا تنقصها الثروات ولديها منها ما يؤمن مستقبلها، لكن الشيء الوحيد الذي يلزمنا العمل من اجله هو تامين البلاد من مخاطر الانزلاقات التي وقعت فيها بلدان اخري وتجنيبها نقمة الثروة.
فما من بلد تجود له أرضه بخيرات طبيعية وافرة الا واصبح عرضة للاطماع الخارجية. وان وجود دولة قوية وشعب واع ومحصن هو الملاذ الوحيد الذي سيمكن من تفادي الوقوع في هذه المتاهات الخطيرة.
وقد جاء تغيير الثالث أغسطس لتلافي الوضع المزري وتاسيس دولة قادرة علي ان تقود أمورها بنفسها والقيام بإصلاح شامل وحقيقي ينتشلها من الوضع السياسي المتأزم الذي لم يعد قادرا علي تسوية مشاكلها وبدأ يجرها نحو الدخول في وضعية تفكك لا يمكن التنبؤ بما ستؤول اليه.وفي هذا المضمار لابد من توضيح الحالة السياسية التي كانت تعيشها البلاد.
فمنذ استقلالها عام 1960 بقي النظام السياسي في موريتانيا جامدا علي نظام الحزب الواحد الي حين تغيير الثالث اغسطس2005.
ورغم تطور المحيط الإقليمي والدولي الذي نعيش فيه لم يستطع هذا النظام مواكبة حركة التطور الأمر الذي ولد احتكار السلطة من طرف كل من يستولي عليها. وفي ظل نظام من هذا القبيل يصبح الشعب مغيبا تماما عن العملية السياسية ولا ينتظرمنه سوي مباركة كل أفعال وأقوال الحاكم ومن ثم تتولد في الشعب بدوره عقلية الجري وراء المصلحة الفردية. فعندما تكون تلك المصلحة في موالاة النظام يواليه وعندما تزول يعارضه وهكذا دواليك. وحين يدخل النظام ورطة ينفض المتمصلحون هؤلاء من حوله ليجد نفسه وحيدا في الميدان.
ان الاستمرار في وضع كهذا يعرض البلاد لمخاطر من ابسطها التفكك والزوال بعد استشراء الفساد ويأخذ أبعادا خطيرة.
ومن افرازات هذا الوضع كذلك احتكار السلطة في فرد واحد الأمر الذي تتولد عنه فكرة الرجل الضرورة والتي في ظلها تنتفي الطبقة السياسية البديلة، وتنحو الأمور نحو تقديس الحاكم وإقصاء مبدأ التناوب.
ولمعالجة هذه الوضعية تم إدخال تعديلات علي الدستور جئت لاشرح لكم مدي أهميتها وأؤكد علي ضرورة المصادقة عليها في الاستفتاء المرتقب .
ففي غياب التناوب علي السلطة يكون بوسع الحاكم ان يفعل ما يشاء دون ان يخشى محاسبة لانه يبقي في السلطة فترة طويلة ثم يخلفها لمن يثق فيه ، وهو ما يجعل الحاكم بوسعه أن يتصرف كيف شاء في مقدرات البلاد ويعرضها إلي أوضاع خطيرة عاشتها سابقا.
ومن فوائد التناوب علي السلطة ان الحاكم يظل يدرك انه لن يبقي في الحكم اكثر من 10 سنوات كحد أقصي مما يجعله يخشي المحاسبة ممن ياتي بعده، ثم ان فترة التناوب قصيرة تمكن من تلافي الفساد في الوقت المناسب وذلك يشكل بالنسبة لنا ضمانة ضد مختلف التصرفات المنحرفة.
ان التداول علي السلطة يمكن من تجنب الورطة التي يسببها تفاقم النقمة الناجمة عن ممارسة السلطة الامر الذي يدفع في الغالب الي انقلابات كما هي الحال في بلادنا أو الي حروب أهلية كما عرفت ذلك بلدان من حولنا.
كما ان من سلبيات عدم التناوب ان الحاكم بعد بقائه طويلا في الحكم تصبح نظرته للقضايا الوطنية نظرة شخصانية حيث ان كل من أبدي رأيا مخالفا بشأنها يعتبر معارضا له وعدوا لحكمه وهو ما ينجم عنه ما يعرف ب”القطيعة السياسية” التي تدخل البلاد عادة في أزمة يصعب الخروج منها…ولا يمكن تفادي ذلك إلا بالتناوب السلمي علي السلطة.
ان احتكار السلطة كذلك يتولد عنه غياب طبقة سياسية بديلة، أحزاب سياسية مسؤولة ومجتمع مدني فعال ورجال أكفاء مؤهلين لتحمل المسؤولية.
وفي غياب البديل السياسي لا يمكن قيام ديموقراطية حقيقية لذلك فان التناوب علي السلطة وحده هو الذي يمكن من إيجاد مثل هذا البديل الضروري لهذا التناوب.
كما ان انسداد الأفق السياسي الذي يحدث حينما تستحيل إمكانية التغيير الدستوري والسياسي بطريقة شرعية يعد هو الأخر من أسباب الانقلابات والحروب الأهلية.
وحينما تزول هذه الأسباب عن طريق ضمان التناوب السلمي علي السلطة تنتفي شرعية التصرفات المماثلة التي عرفناها في السابق لتصبح مرفوضة داخليا وخارجيا.
إننا حينما نضمن التناوب السلمي علي السلطة نكون قد وفرنا لبلادنا فرصة التطور السياسي بالطريقة الدستورية المعهودة وبذلك وحده نصل إلي ما نصبو إليه من تقدم ورقي.
انه بدون التناوب علي السلطة سنبقي في المأزق الذي عشناه في الماضي، وساعود الي الوراء قليلا لأذكركم بانه بعد استقلال البلاد سنة 1960 جاء اول تغيير للسلطة بواسطة انقلاب وما بين 1978و1984 حدثت أربع انقلابات وجاء انقلاب 1984 ثم الانقلاب علي الدستور 1991 ..ومن اجل تغيير ذلك النظام كان لابد من انقلاب جديد.
من ذلك نستنتج ان هناك أزمة في نظامنا السياسي تتطلب العلاج خلاصة القول بشأنها ان اسلوب الحكم السياسي الذي عهدناه منذ الاستقلال لم يمكنا من تداول السلطة بطريقة قانونية ودستورية.
والسبب في ذلك ان هذا النظام كان يخضع لأمزجة الأشخاص فالحاكم حينما يصل الي السلطة تلتف حوله جماعة من المتزلفين الذين يدفعونه الي الاعتقاد بانه ضروري للبلد ولا بديل عنه وبصبح مصير البلد محكوم بارادة واحدة يتحكم فيها مزاجه الشخصي، وهذه الحالة هي التي حاولنا تلافيها من خلال الضمانات التي نصت عليها التعديلات الدستورية المقترحة ليتم التناوب بطريقة دستورية.
وأود ان اقول كذلك ان المأزق السياسي قد يؤدي الي انقلاب لكن الانقلابات بعضها يفشل كما حدث في دول قريبة منا وادي الي حروب اهلية لازالت تعيشها تلك الدول.
وان من واجبنا ان نسعي الي اخراج البلاد من دائرة الانقلابات والحروب الاهلية ونعتقد ان هذا التعديل الدستوري من شأنه ان يعالج هذه الوضعية ويضمن ان نجنب بلادنا مثل هذا المأزق.
ولتفادي تعديل هذه المواد الدستورية التي تضمن التناوب علي السلطة اقترحنا ترتيبات صارمة غير قابلة للتبديل تمنع الرجوع في مبدأ التناوب علي السلطة ونتمني ان تغلق هذه الترتيبات الباب نهائيا امام كل من تسول له نفسه البقاء طويلا في الحكم.
هذا ما أردت ان اطلعكم عليه لكنني اود ان الفت انتباه سكان ولاية لعصابه وفي طليعتهم سكان كيفه علي ان هذا الدستور هو امل البلاد وهو الذي بوسعه ان يخرجها من دائرة الانقلابات والحروب الاهلية.
وارجو ان تكونوا في طليعة المصوتين علي الدستور.
و اؤكد في الأخير ان الالتزامات التي تعهدت بها القوات المسلحة وقوات الامن غداة تغيير الثالث اغسطس واضحة لا لبس فيها وما زالت متمسكة بها ونحن مستمرون بالوفاء بها وان التشكيك فيها من طرف البعض كما هو دأبه، أمر لن يثنيها عن الالتزام بذلك، لان القوات المسلحة وقوات الامن الوطنية لم يسبق لها ان تراجعت عن أي تعهد قطعته علي نفسها اتجاه الشعب الموريتاني إلا ان البعض مولع باثارة الشكوك والمسيرة مستمرة وسيتم الوصول الي أهدافنا خدمة لمصلحة البلاد عموما وليس لفئة دون اخري.
وارجو ان نعمل علي استغلال وقتنا الذي نحن بحاجة اليه ونبتعد عن الشائعات حتي يتحقق املنا في رقي البلاد وازدهارها.
واشكركم علي الحضور، وادعوكم مرة اخري الي الاستفتاء علي الدستور وانجاحه باكبر نسبة.
والسلام عليكم ورحمة الله.”