AMI

خطاب رئيس الجمهورية أمام الجمعية العمومية الرابعة والثلاثين لليونسكو

وجه رئيس الجمهورية السيد سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله مساء اليوم بباريس خطابا أمام الدورة الرابعة والثلاثين للجمعية العمومية لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم “اليونسكو”.
وتوجه رئيس الجمهورية إلى اليونسكو بخالص الشكر، لمؤازرتها للمساعي الموريتانية الرامية إلى تعميم التعليم ومحو الأمية وصيانة المدن الأثرية والمواقع السياحية، وفي مقدمتها الحواضر المصنفة في قائمة التراث لإنساني العالمي.
ووجه الرئيس شكره للمدير العام لليونسكو السيد كويشيرو ماتسورا على النداء الذي وجهه، مطلع العام، من مدينة تيشيت التاريخية لإنقاذ المدن الموريتانية القديمة آملا أن يجد النداء أذنا صاغية لدى المجتمع الدولي، بما يمكن من تفعيل صندوق دعم ترميم وإعادة تأهيل المراكز التاريخية الموريتانية.
وفيما يلي النص الكامل لخطاب رئيس الجمهورية:
“بسم الله الرحمن الرحيم
معالي الرئيس
أصحاب المعالي والسعادة
معالي المدير العام لليونسكو
السيدات والسادة
التحية في بلدي هي السلام.. فبالسلام أحييكم وأنتم تجتمعون تحت قبة السلام العالمية، في حضن اليونسكو، التي أسست من أول يوم على وعي عميق بضرورة بناء حصون السلام في عقول البشر، وسعت جاهدة على مر العقود لتفريغ العواطف والأهواء من شحنها السالبة، وشغلها بكل ما هو إيجابي وجميل في الطبيعة البشرية.
وليكن لي، في هذا المقام أن أهنئكم، سيادة رئيس المؤتمر العام، واهنأ الأعضاء الجدد في المجلس التنفيذي، وأهنئ السيد المدير العام على جهوده لإصلاح المنظمة وتعزيز صبغتها الدولية.
سيادة الرئيس؛
إننا نؤمن معكم بأن بناء السلام في عقول البشر هو وحده السبيل إلى بنائه على الأرض، ليتمتع الناس بالأمن والرفاه، ويفرغوا للعمل النافع والإبداع الخلاق.
ونحن نشاطركم اهتمامات دورتكم هذه، بما فيها مبادرة تدريب المعلمين في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وإعلان سنة دولية للتقارب بين الثقافات، وتشجيع التعدد اللغوي، ومكافحة التمييز في مجال التعليم، وإحياء الذكرى الستين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
سيادة الرئيس،
لقد آمنا بالتنمية البشرية إيمانا يصدقه العمل، فبالإنسان ومن أجل الإنسان، أسسنا لعهد جديد من التمكين للديمقراطية، عبر تجربة ملهمة، في كنف دستور جديد، يقدم ضمانات غير مسبوقة في تاريخنا للتداول السلمي على السلطة.
وشهدت موريتانيا بالفعل انتخابات شفافة، بلدية ونيابية ورئاسية، كانت محل تقدير وثناء من المجتمع الدولي.
وقد باشرنا فور تسلمنا مقاليد السلطة العمل على تجذير تلك القيم الجديدة التليدة، قيم الإسلام الذي ندين به وقيم العصر الذي نعيش فيه، فأخذنا بمبادئ الحكم الرشيد، وبسطنا الحريات، بما فيها حرية الفكر والتعبير والتنظيم، وانتهجنا الشورى سبيلا لاتخاذ القرار، واعتمدنا الحوار منهجا للتعاطي مع الشأن السياسي الوطني، وبادرنا إلى معالجة المظالم الواقعة والمتوقعة، فأصدرنا قانونا يجرم استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وفتحنا باب العودة الكريمة لمواطنينا الذين تركوا ديارهم عام 1989، والمعالجة المنصفة لما سلف من انتهاكات مؤسفة لحقوق الإنسان.
وعلى صعيد آخر، حصلت المرأة الموريتانية على نسبة مشاركة تصل إلى عشرين بالمائة في الوظائف التمثيلية. وعينت بلادنا، لأول مرة، نساء واليات وحاكمات وسفيرات، بينهن سفيرتنا في هذا البلد العظيم (فرنسا) ولدى منظمتكم العتيدة اليونسكو. ونحن مؤمنون أننا بذلك كله نوفر جانبا مهما من الشروط الأساسية للنهوض بالإنسان في سائر الميادين، وفي مقدمتها ميادين التربية والثقافة والعلوم.
السيد الرئيس
تنتهج موريتانيا سياسة ثقافية تقوم على تعميم التعليم وتشجيع البحث العلمي، ونشر ثقافة التميز والإبداع.
وتفخر بلادي، بلد المليون شاعر، بعطاء علمائها وأدبائها وإشعاع محاضرها التي نشرت العلم وبثت قيم التسامح والإخاء على مر العصور، وأهلت موريتانيا لتكون، بالتاريخ والجغرافيا معا، قنطرة للتواصل بين الشعوب والتلاقح بين الثقافات والانسياب السلس للمعارف في الفضاء العربي ـ الإفريقي.
وتعتز بلادي بخصوبة تراثها الثقافي المادي واللامادي، وتتطلع إلى مزيد من استكشافه وصيانته واستثماره.
وفي هذا الصدد، أتوجه إلى اليونسكو بخالص الشكر، لمؤازرتها إيانا في مسعانا لتعميم التعليم ومحو الأمية وصيانة المدن الأثرية والمواقع السياحية، وفي مقدمتها الحواضر المصنفة في قائمة التراث الإنساني العالمي: شنقيط وودان وولاتة وتيشيت وحوض آرغين. والشكر موصول إلى معالي المدير العام السيد كويشيرو ماتسورا على النداء الذي وجهه، مطلع العام، من مدينة تيشيت التاريخية لإنقاذ مدننا القديمة. وكلنا أمل في أن يجد هذا النداء أذنا صاغية لدى المجتمع الدولي، بما يمكن من تفعيل صندوق دعم ترميم وإعادة تأهيل المراكز التاريخية الموريتانية.
السيد الرئيس،
يواجه عالمنا اليوم، ونحن نلج الألفية الثالثة، نزعات ولدت حرجا في الصدور، وضيقا بالآخر، وتدافعا نحو الانتقام، وهي نزعات تولدت في العقول ثارات وضغائن وأحقادا، وتنزلت إلى الأرض مزيجا من العنف والبطش والإقصاء. وهذا ما يرتب على اليونسكو، وعلينا جميعا، مسئولية مضاعفة في السعي الجاد لتجفيف منابع الكراهية والشحناء في عقول البشر.
إن الطريق إلى نشر قيم التسامح يمر حتما بالمضي قدما في بناء عالم أكثر عدلا وإنصافا، وأقل حيفا وإجحافا، عالم تتحاور فيه الحضارات ولا تتناحر، وتتآلف فيه الثقافات ولا تتنافر، وتتضافر فيه جهود الجميع من أجل مواجهة تحديات عاصفة كبرى، مثل: تحدي الحروب الشرسة، والتحدي البيئ، وتحدي الفقر والجوع، وتحدي الأمراض المستعصية، وتحدي الجهل المقيت.
السيد الرئيس
إن تغيير الواقع يبدأ بتغيير النفس: }إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم{. وتغيير النفس هو أولى أولويات العمل التربوي الذي تقوم عليه منظمتنا العتيدة، فلنتحالف جميعا من أجل تغيير ما بنفوسنا، كي يتغير عالمنا وينعم بالسلام والرفاه والاستقرار.
وصدق الشاعر الموريتاني حيث يقول:
إنما القنية علم نافع فبه المجد التمس لا بالنشب.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد