أكد رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز أن خطورة الإرهاب وما يطرحه من تحديات أمنية يتطلب تعزيز التنسيق وتضافر الجهود.
وأوضح في خطاب ألقاه أمس الأربعاء في بروكسل أمام مؤتمر المانحين لمالي أن الموضوع يستدعي حلولا جذرية والابتعاد عن الحلول الجزئية.
وفيما يلي نص الخطاب:
أصحاب الفخامة،
سيداتي سادتي،
إننا نجتمع اليوم للتأكيد على دعمنا الذي لا يتزعزع للحكومة والشعب الماليين، ومن واجبنا جميعا تقديم كل الدعم لهذا البلد في مواجهة التحديات الجديدة التي لا بد له من رفعها لتوطيد وحدة وسلامة أراضيه واستيناف حياته الطبيعية والدستورية التي جعلت منه مؤخرا نموذجا للديمقراطية الإفريقية.
إن انعقاد هذه القمة اليوم يأتي في لحظة حاسمة حيث يتعين علينا أن نحافظ على النجاحات العسكرية التي تحققت على الميدان، كما يجب علينا، وهذا مهم، تعزيز عودة السلام والاستقرار إلى مالي من خلال مسلسل سياسي شامل ومجمع عليه.
واسمحوا لي هنا، أن أحيي بحرارة مبادرة الاتحاد الأوروبي بتحضير وتنظيم هذا اللقاء الذي يؤكد العناية التي يوليها الاتحاد الأوروبي وأعضاؤه لتحقيق السلام والتنمية في مالي وفي منطقة الساحل عموما.
كما أغتنم هذه الفرصة لأشكر الشركاء الأوروبيين على مساندتهم المستمرة والمتعددة الجوانب لسياساتنا التنموية.
إن الإتحاد الأوروبي، بتقديمه الدعم والمساندة اللازمين خاصة في مجالات البنى التحتية والحكم الرشيد يسهم بصورة كبيرة في جهودنا لمحاربة الفقر وترسيخ دولة القانون والحفاظ على الاستقرار.
وفيما يتعلق بعدم الاستقرار الناتج عن انتشار الإرهاب والجريمة المنظمة في منطقة الساحل مؤخرا ، لابد هنا أن نسجل ارتياحنا للمبادرات الأوروبية الهامة في هذا الصدد وخاصة إستراتيجية الأمن والتنمية والتي، ونظرا لخطورة التحديات الراهنة، تتطلب تعزيز مواردها وتسريع إجراءاتها.
أصحاب الفخامة،
سيداتي سادتي،
من المعروف منذ القدم أن منطق الإرهاب والجريمة المنظمة لا يعرف الحدود بين الدول ولذلك كانت كل المحاولات والإجراءات المتخذة على المستوى الوطني عاجزة عن احتواء هذه الظاهرة.
ولا شك أن الأحداث التي جرت في مالي لبرهان على ذلك بما تمثله من ردات فعل مؤلمة وتهديدات كامنة منذو عقد من الزمن في العديد من الأماكن في منطقة الساحل.
فإضافة إلى مالي فإن كل شبه المنطقة والقارة الإفريقية وأوروبا والعالم عموما، تمثل كلها مناطق تفجر محتملة.
وبطبيعتها العابرة للحدود فهذه المخاطر تستدعي ردا بنفس القوة والحزم، ووعيا منها بهذه الحقيقة حثت موريتانيا باستمرار على ترقية وتطوير التعاون الدولي في هذا المجال.
كما أن هناك حقيقة أخرى تتمثل دونما أدنى شك، في انسداد الأفق الذي تقود إليه الحلول الجزئية وعمليات المقايضة في مواجهة تهديدات معقدة كالإرهاب والجريمة العابرة للحدود ، تنتهي دائما بمحاورة أصحابها بدلا من القضاء عليهم.
فالوضع يقتضي الإسراع في إيجاد الحلول عن طريق الرد الأمني، مع أنه لا يمكن تصور علاج ناجع بدون الأخذ بالاعتبار الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشكل أساسا لهذه الظواهر.
وهذه هي المقاربة المندمجة التي تبنيناها في موريتانيا. فبزيادة قدرات قواتنا المسلحة وقوات الأمن نصبح أكثر يقظة لصد أي تهديد يواجهنا.
وفي نفس الاتجاه عملنا من خلال الحوار والتحسيس المستمر على تأكيد رفعة مكانة الإسلام وتسامحه وانفتاحه وبراءته من الغلو والتطرف.
وموازاة مع ذلك انتهجنا سياسات طموحة في مجال مكافحة الفقر وتوفير فرص التشغيل للشباب، والنشاط الطوعي وتعزيز الحريات العامة والحكم الرشيد وترسيخ دولة القانون، مما ساهم بشكل فعال في حرمان الإرهاب من إيجاد بيئة ملائمة لنموه ومكن من تجنب الإحباطات التي طالما غذت التطرف.
أصحاب الفخامة،
أيها السيدات
من الطبيعي بالنسبة لموريتانيا أن تعبر عن تضامنها اللامحدود مع مالي. ولا حاجة هنا للتذكير بحميمية الروابط العريقة مع هذا البلد الشقيق.
فلا نبالغ إذا قلنا أن بلدينا يتقاسمان نفس الواقع التاريخي والإنساني ويشكلان نموذجا للأخوة وتجمعهما روابط الدم والتفاهم.
كما انه ليس من الصدف أن تكون للبلدين الشقيقين حدود تمتد على مسافة (2300) كلم.
فوقوف موريتانيا، إذن، إلى جانب مالي ينبع من مودة راسخة ومن كونه واجبا.
فقد دعمنا بقوة منذ بداية الأحداث جهود التسوية المقام بها من طرف مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، سواء من دول الميدان أو مجموعة دول غرب إفريقيا أو الاتحاد الإفريقي أو من مجلس الأمن.
وبعد انتهاء العمليات العسكرية التي قامت بها القوات المالية والإفريقية والفرنسية دعمنا هذه الجهود بإغلاق ومراقبة حدودنا المشركة لحرمان العصابات المسلحة من أي إمكانية للدخول إلى أرضنا.
كما حرصنا أن تظل نقاط العبور إلى أرضنا مفتوحة أمام موجات اللاجئين المدنيين الذين تسببت العمليات العسكرية بهروبهم حيث يبلغ عدد هؤلاء اليوم ما لا يقل عن 100 ألف لاجئ مالي نؤويهم بين ظهرانينا، مرحب بهم مع أشقائهم كما لو كانوا بين أهليهم.
إن ما نتمناه اليوم من كل قلوبنا أن تجد مالي طريقها فورا إلى السلام والتنمية المستديمة في ظل الاستقرار.
وبتحقيق هذه العملية والتي تعتبر أمرا حيويا بالنسبة لمنطقتنا وبالنسبة للعالم سنقوم اتجاه هذا البلد الشقيق بما يمليه علينا عمق الروابط ووحدة المصير المشترك في ظل الاحترام الكامل لسيادته.
وأشكركم
الموضوع السابق
الموضوع الموالي