بقلم: د محمد يحيى ولد باباه
من الجلي أن المعطيات المعاصرة فيما يتعلق بعملية إعداد وتربية الأجيال، تنطلق من أن التربية بمفهومها الشامل، هي نشاط أو عملية اجتماعية هادفة تستلهم مادتها من المجتمع الذي توجد ضمنه، وبذلك تكون رهينة هذا المجتمع بمشمولاته من مؤثرات وأفراد وقوى، كما أنها تكتسي طابع الاستمرار بمرافقتها للإنسان طيلة حياته، انطلاقا من فعلها التهذيبي للإنسان ليكون قادرا على التأثير والتأثر داخل مجتمعه.
إلا أنه، وبعيدا عن المقاربات التجريدية فيما يتعلق بالعملية التربوية والأكاديمية بصورة عامة نتساءل في خضم واقع مؤسساتنا التربوية اليوم، ما الذي يثقل كاهلها؟ ويشيع في أجوائها الفراغ، والروتين المتحدد بحدود ما يمكن أن نسميه “فعل الإلقاء” و”فعل الاختبار” فقط؟ ما هي أنجع السبل للرفع من مستوى أدائها، وجعلها قادرة على استيفاء أطراف العملية التربوية والأكاديمية، دون سقوط مستفيديها في مسارات أخرى؟
قد لا تفي سطور قليلة بالإجابة عن هذه الأسئلة الكبرى، لكن الإشارة- على الأقل- لما قد يساهم في اطلاع المؤسسة التربوية بدورها على الوجه المطلوب، يبقى مسألة جوهرية تضيء معالم الطريق العام لولوج مؤسساتنا التربوية إلى عالم الأداء الفعَّال في تربية الأجيال بصورة أكثر انسجاما مع معطيات العصر ومتطلبات ثوابت أمتنا المجيدة.
ولعل ما يحيلنا إلى أنجع السبل لاكتمال أطراف العملية التربوية داخل المؤسسة التربوية، هو في المقام الأول تعميق الرباط الطبيعي بين اللاَّزِمتين المعروفتين للفعل التربوي (الأستاذ- الطالب)، وذلك لا من خلال العلاقة الرسمية المتمثلة في فعل التدريس فحسب بل أيضا في العلاقة شبه الرسمية المتمثلة في الفعل المشترك بين اللازمتين، أي إقامة شراكة فعلية ترمي إلى تنمية المواهب والقدرات والخبرات ضمن مجالات الإبداع التي ظلت على مر الزمن العمل الموازي والمكمل للعملية التربوية والأكاديمية.
علينا أن لا ننسى أو نتناسى في هذا الظرف أن إعداد جيل راق في تفكيره ومتنوِّر بوعي خلاَّق في سلوكه من خلال المؤسسة التربوية والأكاديمية كأداة لما يمكن أن نسميه (صناعة الأجيال)، أن هذه المؤسسة مدعوَّة إلى ملء الفراغات المنتشرة في ساحة عملها الرسمي بصورة تامة، ويعني ذلك ضرورة استكمالها لأطراف العملية التربوية التي يبقى تشجيع الإبداع فيها، صاحب الدور المحوري في ملء هذه الفراغات، فترقية المواهب الرياضية مثلا، وتكثيف الأنشطة الثقافية (مسابقات في: القصة القصيرة- الشعر- المسرح- الرسم- النشريات المختلفة إلخ..) داخل الحرم الجامعي والمحيط المدرسي بصورة عامة، هو الذي يمثل التكامل الطبيعي لإعداد الأجيال المتنورة بنور الحضارة والتقدم، وخاصة على المستوى القاعدي.
غير أنه علينا أن لا ننسى أو نتناسى أيضا، في مستوى آخر، أن دور المؤسسة في ترقية أشكال الإبداع لا يتوقف عند برمجة ورعاية هذه المحفزات الضرورية لدى طلابها، بل أيضا تنمية مظاهر التعلق والتشبث بهذه الأبعاد من رسالتها السامية لدى الطلاب ليرتادوا هذه الميادين بنهم وتفان حقيقيين، وليبتعدوا أكثر فأكثر عن الانجراف في اهتمامات تتجاوز المؤسسة وتخلق أجواء من الطموح الخارج عن المسارات الطبيعية لوظيفتها التربوية والأكاديمية.
وهكذا نستطيع صناعة جيل متشبث بقيمه، فخور بها، متمكن من ولوج الفضاءات العلمية والتقنية المعاصرة بكل جدارة، وقادر على دفع محركات التنمية الشاملة.
على مربينا وطلابنا الانسجام في شراكة بناءة تستهدف تنمية المواهب والقدرات والمهارات داخل شتى أشكال التعبير الثقافي، والبحث باستمرار عن المَواطن الإبداعية والعبقرية في إنتاج الطاقات الشابة، وبذلك تكتمل أطراف العملية التربوية بشقيها الرسمي وشبه الرسمي، وتمتلئ فراغات ساحة مهامها حيث يجد كل من الأستاذ والطالب ذاته كما ينبغي أن تكون، في أفق الكفاءة والمسؤولية.
الموضوع الموالي