AMI

حتى لا ننظر بعيون زئبقية

بقلم/المختار السالم:
elmoctar@gmail.com

في ظل تشبع البعض بلغة التمرد السلبي، وإذكاء جذوة القنوط والإحباط، من الضروري أن يعي البعض من أبناء وبنات هذا الوطن أن بناء الأوطان لا يمر حتما بتحويل الجميع إلى خصوم “أعداء” وإلى تصنيفهم كسبب مباشر أو غير مباشر فيما لم يتحقق بعد.
وفي الحراك السياسي الموالي أو المعارض من الضروري أن لا يعتبر أي “فرد” نفسه “ملخصا حتميا للكل”، فيبادر إلى تحجيم جهود الناس، وينصب نفسه ناطقا رسميا باسم الملايين التي “لا تعرف فيه شربة ماء” ولا ضمادة جرح.. إن التفكير وفق تلك العقلية الانتهازية ليس بطولة وطنية ولا حتى بطولة “فردية” بل هو ضرب من الأنانية التأزيمية.
وموريتانيا لا ينقصها مصنعو الأزمات، من أي موقع ظهروا منذرين، ولا تحتاج قطعا إلى “المفرقين” الذين يسعون، تحت قناع النضال، إلى بث الفرقة وتسميم الأجواء سياسيا واجتماعيا.. ودفع البلد في كل مرة إلى مسلسل أزمات لا ينقطع.
ومن هنا كان من الواجب الإلحاح على تعزيز صف المصلحين (في كل تيار) الذين يرون الأمور بعقلانية ومن منطلق المصلحة الوطنية العامة.
وقد قرأنا خلال الفترة الأخيرة لمثقفين وسياسيين وكتاب وطنيين الكثير من الآراء البناءة التي تناولت الوضع السياسي والاجتماعي في البلاد ويمكن أن تشكل تلك الآراء نبراسا يضيء الطريق أمام جهود الحوار والإصلاح.
ولا شك أن تعزيز ثقافة الإصلاح يبدأ أولا بتعزيز ثقافة الحوار والأفكار فهي الأساس الصلب لكل عمل وطني جاد، وهو العمل الذي لا يمكن أن يكون إلا بمشاركة الجميع واحترامهم، ولا يمكن أن يكون “أيضا” إلا بتشجيع الروح الايجابية في المجتمع والأفراد.
إن آخر ما نفكر فيه كموريتانيين هو أن يتطوع البعض وينذرنا بأن “الإجماع الوطني مسألة مستحيلة” وأن كل “طرف” في هذه الساحة، وفي هذا البلد، لا يفكر إلا في نفسه، وفي مشروعه السياسي، ومن زاوية رؤيته الخاصة، وأنه لكي ندخل لا بد أن نكسر الباب المفتوح.
وآخر ما نتوقعه من بعض شبابنا أن يلعن كل شيء في أجيال بكاملها، فيردد في الشارع شعارات تمس من شرف الطبقة السياسية في البلاد موالية ومعارضة.
وكأن كل الذين ضحوا بأنفسهم وأموالهم وحتى “أولادهم” في سبيل النضال من أجل هذا الوطن ومن أجل شعبه لا يستحقون الاحترام سواء أصابوا أو أخطأوا.. أي منطق ذلك وأي وطنية تلك!.
ماذا نقول لأولئك الذين سجنوا، والذين عايشوا المنافي، وآخرين عرفوا القمع في سنين الجمر، فنزعت أظافرهم وبدلت جلودهم غيرها تحت سياط تعذيب زبانية الأنظمة القمعية.
ماذا نقول للضباط الشجعان الذين قادوا ثورة التغيير قبل كل ثورات المنطقة، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع ما آلت إليه الأمور، فقد كنا وقتها “مجالا طازجا” للسخرية لمجرد أننا قررنا إحالة نظام “أصيل” إلى التقاعد الجبري.
وماذا نقول للرجال والنساء ممن تساموا على “اللحظات الرخيصة” من أجل مصلحة البلد الذي ولد في فوهة المخاطر والأطماع.
وماذا نقول للحركات السياسية الوطنية التي حاولت بكل ما تملك من جهد رأب “صدع الزجاج” وحتى لا تتحول شظاياه إلى سكاكين تلغ في دمائنا.
هل نقول لهم إنكم لم تفعلوا شيئا، وإنكم عالة على البلد، وحاجز دون حل سحري هو بيدنا ونستطيع من خلال توزيع كواكب هذا الكون على مواطنينا…!
في كل مرة نجد من يبصر الأمور بعينين زئبقيتين، فمرة الحرب على الإرهاب خطأ استراتيجي، ومرة لا أحد جاد في الحوار، ومرة المعارضة لا تسعى لغير التشويش، ومرة طي صفحة الماضي الأليم جريمة في حق المستقبل، ومرة الطبقة السياسية كلها مفلسة ولا يمكنها تقديم أي شيء للبلد، ومرة… ولكل “مرة” من يمرر على عقولنا البريئة ما يدعونا لتسجيل أنفسنا كزبائن دائمين في المصحات النفسية.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد