بقلم/ المختار السالم:
elmoctar@gmail.com
موجة غلاء الأسعار التي تجتاح العديد من دول العالم، جزء من تداعيات غياب التنمية المعقلنة، وهي في نفس الوقت جزء من ردة الفعل على الحيف والظلم الذي تشعر به شعوب الجنوب التي اكتوت، ولقرون طويلة، بسياسات الليبرالية المتوحشة التي فرضتها الدول الغنية على البلدان الرخوة تنمويا، وكرست بذلك معادلة “اللامنطق” القائلة بإمكانية العيش إلى الأبد في عزلة مريحة عن هموم الدول الفقيرة.
لقد استخدمت الليبرالية المتوحشة حق استعمار الشعوب تحت يافطة “التمدين” في مرحلة معينة من تطور “فكر الجحيم”، ومن ثم انسحبت إلى أبشع أنواع الاستغلال بفرض كل الشروط المجحفة على هذا الجنوب، سواء تعلق الأمر بخيارات اقتصادية أو سياسية، أو حتى مدنية اجتماعية، ففي هذه الفترة ليس من حق الشعوب العيش وفق مسلكياتها وعاداتها وقيمها، بل لا بد من سير تلك الشعوب على النمط الأخلاقي والاستهلاكي الغربي حتى تعطي “شهادة أمان” من الرقيب العولمي المهيمن.
إن “تسوية الحساب” مع الليبرالية المتوحشة قد يأخذ بعض الوقت لكن ستكون له نتائج مدوية ولا شك، فساعة حساب “الليبراليين” قادمة ذات يوم، وهي تعمل ببندول ينبض بكل إرث المعاناة التي عاشتها الطبقات المسحوقة تحت كل ذلك التنوع المثير من المبررات.
الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية مرغت أنف “داوجونز” في التراب، وجعلت حتى أطفال العالم يسخرون من “فلسفة” ذلك المؤشر “البورصوي” الذي يبنى الثراء على الإفلاس الأخلاقي.
وعندما تداعى قادة العالم إلى “قمم الثماني” و”قمم العشرين” خلال السنتين الماضيتين لم يضع أولئك القادة من ملاك الأساطيل والقارات أي اعتبار للجنوب، وكأنه ليس شريكا في هذا الكوكب، وغير معني بمصيره واستقراره.
إن الدهشة الحالية في وسائل الإعلام الغربية من تأثير “عربة خضار” في مجرى الأمور بالعالم كله، أمر يستحق التوقف والتساؤل، فهل هو نابع في حقيقته من الخوف من انتقال ذلك التأثير إلى الأصوات المكبوتة في ذلك العالم الغني الذي لم يعبر يوما عن “الألم” الداخلي رغم اتساع وتقيح الجروح؟ أم هو الخوف على الحدائق الخلفية التي شكلت ولقرون مجالا للتغطية على سياسات الهيمنة؟
لا تهمنا الإجابة على مثل هذه التساؤلات في الوقت الحالي، فقط لنتذكر كم كان بعض “أولئك” ضد التغيير في بلدنا موريتانيا سنتي 2005 و2008، وكم هددونا باسم الديمقراطية وبكل ألقابها، وكم توعدوا بإرسالنا في “مجمرة” إلى الجحيم.
والآن لنستخلص الدرس المهم.. دعونا نتحدث دون لف أو دوران، فأطراف في المعارضة الموريتانية لا ترى أن شيئا تغير، وهي تهدد بـ”ثورة ياسمين” وبكل “عربات الخضار”، والبعض يرى أن كل شيء تغير، وأن ما يجري من جلبة ليس سوى آخر “أنات” المفسدين الذين يفقدون مواقعهم واحدا تلو الآخر، وبتلخيص مبتور “محاولة للوقوف في وجه الإصلاح”.
لنكن واقعيين، فنقول إن موريتانيا أرض قاحلة لا ينبت فيها الياسمين، بل تشكل النباتات الشوكية أغلب ما ينبت فيها، ومع ذلك كانت سباقة في المنطقة لدك حصون الديكتاتورية وفتح مجال الحريات الفردية والعمومية.
ثم نقول، وليس بلغة زئبقية، إن المعارضة الموريتانية رائدة في مجال القيام بدورها من خلال التصدي للحكومات ونقدها وتوجيهها ومطالبتها بالحوار ولفت نظرها إلى نقاط الخلل في كل القطاعات. وميزة هذه المعارضة أنها تملك المعلومات وتعشق “الفيسبوك” و”الناس بوك”، وهي عنيدة إلى درجة تفوق الاحتمال.
ثم نذكر بأن “الأقلية” غير الديمقراطية داخل الأغلبية لم يعد خطابها، ولله الحمد، ينجح في حجب الحقائق القائمة على الأرض، وإلا لما كانت الحكومة الموريتانية بادرت إلى وضع خطة لمواجهة الغلاء وأكدت تصميمها على تنفيذ جملة من المشاريع التنموية لصالح موطنينا الأقل حظا.
ولعل الأهم من كل ذلك هو هذا التنافس المحتدم بين “الفريقين الأصيلين” على الفوز بقلوب ورضى الفقراء، وهو التنافس الذي يتجلى في خطاب سياسي بالغ الروعة والشجاعة.. خطاب لا يعاني الوجل ولا الخوف ولا التردد، ولا تنقصه بالطبع “مرجعية” العمق والهامش.
سيتساءل الذين يكتبون بحبر شاحب، ويخطبون من جوف هبل، وعينهم على عربة الخضار وأقدامهم في جلبة الغبار.. إن كان هناك أجمل وأنضج من هذا التنافس السياسي الذي يبشر بكل خير وتطور.
الموضوع السابق
الموضوع الموالي