AMI

نَحـْوَ صياغة رؤية فعالة لدى المثقف..!!

بقلم: د. محمد يحي ولد باباه
E-mail y.babah@yahoo.fr
لعل ما يمثل اليوم قمة الأولويات في واقع تطور مسارنا التنموي الشامل، انصرافنا ولو لِوقفة تأملٍ ما حول رؤية المثقف ودوره في الدفع بعجلة التنمية عبر رؤية ثاقبة تؤسس لنجاعة عالية، نضاعف من خلالها سرعة وتيرة البناء الوطني.
وستدعونا تلك الوقفة ضرورةً في البداية إلى أفق ما تحيل إليه الثقافة والمثقف من مدلولات أنتربولوجية وتاريخية، تتلخص في اعتبار الثقافة كلا معقدا يتضمن المعرفة والمعتقدات والفن والخلق والقانون والعادات الاجتماعية وكل الطبائع التي يكتسبها الإنسان كعضو في مجتمعه، ومهما كان الدور الإجرائي لهذا الإثبات الأنتروبولوجي لدلالة الثقافة، فإننا نقصد بصورة أكثر جلاء، وجهين بارزين أولهما، الثقافة بمشمولاتها كحصن منيع وقوي للأمة والوطن، قادر على مواكبة البناء والتغيير بالإيجابية المطلوبة والفاعلية والنجاعة الضرورية، وثانيهما، المثقف كمفكر وصاحب رسالة وقضية.. وانطلاقا من هذين الوجهين للثقافة والمثقف يمكن لنا أن نتبيَّن الدلالة التي تعنينا كمثقفين ملتزمين بقضايانا، قادرين على فهم واقع مجتمعنا ومواكبة التغيير ضمنه للمساهمة في تحقيق خيره وصلاحه وإصلاحه بعيدا عن النقد من أجل النقد، والترويج للأوهام التي تمثل عائقا فعليا في تقدم مسيرة شعبنا نحو النماء والتطور.
إن ما ننشده من رقي حقيقي لدور مثقفينا في الرفع من أداء التنمية العام، هو التشبث برؤية فاعلة، ويعني ذلك جملة أمور من بينها، على سبيل المثال لا الحصر:
الاستفادة من قيم التقدم ومفاهيمه وأدواته وآلياته، وتوظيفها في معركة التنمية وذلك بطبيعة الحال شريطة صيانة وتدعيم الثوابت الحضارية الإسلامية للأمة.
التعبير بصدق عن هموم مجتمعنا، بعيدا عن المزايدات الجوفاء التي ظل من أبسط أخطارها، تحويل جهود المثقف إلى مسارات سلبية، حيث يبقى في دائرة ما يمكن أن نطلق عليه [اللاَّفعل] بدل الفعل الناجع المطلوب منه.
قدرته على التحليل الصحيح للخطاب المعاكس للتيار الموضوعي البنَّاء لتحصين دوره المقدس في تقدم أمتنا وصيانة ثوابتها الحضارية، لأن ما يجب أن يـَـؤسس عليه تصرفه العقلاني، هو فقط ما يقدمنا، أما ما يؤخرنا فهو ربما محاولة هيمنة بعض القوالب الخطابية التي نأسف لافتقادها ما يؤسس الكلمة في الواقع، وعلى ذلك تكون مسألة الاستيعاب الصحيح لمثل هذا النوع من الأصوات مسألة جذرية في صياغة بناء الرؤية الفاعلة والثاقبة لمثقفينا اليوم، فلا معنى اليوم مثلا، لأي صوت يتباكى على الماضي مستحضرا لِصورٍ من الوهم لا تملك مستندات في الواقع، بل ظلت مُضَلِّلَة لنُخبتنا وعائقا في جهودها التنموية خلال عقود من ماضينا القريب.
إن هذه الأمور الثلاثة التي ذكرنا لا محالة تضع إحدى اللبنات الأساسية لصياغة ذهنية تتحرك عبر آليات وأدوات فعالة في مضاعفة العطاء الوطني للمثقف، وتؤمن صفاء فكره مما يتم بثه هنا وهناك من أساليب موغلة التأدلج المفعم بتقنيات الديماغوجية المضللة.
إن ما تكتظ به ساحتنا الوطنية اليوم من منابر الرأي على تعدديتها في الاختصاص، لدليل بارز على أننا نعيش تعددية ديمقراطية شاملة بكل أبعادها، وضمن ذلك بدون شك تشجيع لإذكاء وتوقد قدراتنا التنموية باستمرار، غير أن ما يجب أن ينتبه إليه مثقفونا هو أن قضيتهم ورسالتهم ليست فيما يثار من نقد من أجل النقد، وليست فيما تزخرف به قوالب الخطاب الأجوف، بل في تثمين ودعم ما يتحقق على أرض الواقع من بناء على كافة الأصعدة، وفيما يلاحظ من تأسيس للنهج السليم في معالجة تجاوز إرث الماضي الثقيل بتراكماته السلبية.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد