AMI

نحو مؤسسة حزبية أكثر تجذرا

بقلم: المختار السالم
elmoctar@gmail.com
لا يمكن التقليل من أهمية التجربة الحزبية الموريتانية، التي انطلقت
قبل الاستقلال واستمرت تحت عدة أشكال ومسميات، علنية وسرية، و”نصف سرية” و”نصف علنية”، فقد أسست هذه التجربة، إلى جانب مؤثرات مشهدية أخرى في حياة البلد ومواطنيه، للعديد من التقاليد السياسية الوطنية، بل كانت حافزا لعدد من المناضلين الذين تحولوا إلى كوادر وطنية ناجحة. وما كان ذلك ليحدث لولا “التأطير الحزبي” (الحركي) أو مواكبة الرافعة السياسية لهذا الحزب أو ذاك.
لا يستحضر الكثيرون- كالعادة- أي جانب مشرق لهذه التجربة، ويضيعون في كيل السباب والشتائم “للهياكل” وأشباهها من “الديناصورات” التنظيمية المنقرضة في العصر “الجيوسياسي” الأول والثاني.
ثم جاءت حقبة “حزبية التسعينات” لتشعل فتيل “الشخصنة”، وتضرب في مقتل صورة المؤسسة الحزبية تحت الذرائع المعروفة والعبارات المألوفة: “عودة الحزب الواحد في مقابل المعارضة من أجل المعارضة”.
وأعتقد، ولا أجزم، أن المواطن الموريتاني في تلك المرحلة توصل إلى “خلاصات” مبكرة عن “الحزبية” مفادها أنها ظاهرة موسمية متعلقة بالانتخابات وبتحقيق المكاسب الذاتية شخصيا وقبليا وجهويا.. إلخ. ولم تعمل المؤسسة الحزبية في البلاد على تحسين صورتها، بل استمرت بالتجديف في موجة الأحداث الميدانية اليومية، دون “لفتة إستراتيجية” إلى الذات أي إلى تكريس حقيقي لثقافة حزبية ناجعة ومستديمة.
وقد يعود ذلك إلى الاصطفاف الحزبي بين الموالاة والمعارضة في مرحلة ما قبل أغسطس 2005، إلا أن الهجرات الحزبية والهجرات المعاكسة بين تياري الموالاة والمعارضة في الفترة اللاحقة (2005-2008) أدت إلى “اختلاط الدماء” بين “التيارين” الكبيرين، وكما يشاهد بوضوح نرى بين موالاة اليوم “غلاة” من معارضة الأمس، وبين معارضة اليوم “غلاة” من موالاة “أول أمس”.
كان هذا على الأقل من دواعي مراجعة متأنية تتجاوز من خلالها الأحزاب السياسية الكثير من المعوقات وترسخ وجودها كمؤسسات مدنية اجتماعية ثقافية، وهو ما لم يقع حتى الآن للأسف. إذ لا تزال مؤسسات سياسية فقط.
صحيح أنه خلال الفترة الأخيرة بدأ يلاحظ تزايد الندوات الحزبية التي تبحث قضايا عمومية حزبية أو حقوقية أو سياسية، لكن هذه الندوات تميزت بطابع الارتجالية وغياب آلية الدراسات العلمية ليبقى النقاش في حدود التنظير المكرور والحديث المرتجل على غرار الطبخة الاعتيادية التي لا يراد منها إلا الاستهلاك الإعلامي.
كان من المطلوب منذ عقدين من الزمن أن تقوم الأحزاب الموريتانية، وبالإجماع، بمراجعة متأنية لواقع المؤسسة الحزبية في البلاد وتحصر النواقص وتتفق على خطوط عامة لمعالجة المعوقات التي تعترض عملا حزبيا اجتماعيا مؤثرا مكملا لدور الدولة.
إن عملا من هذا النوع، هو عمل مؤسسي لا علاقة له بالعمل السياسي الآني المتغير، بل هو ضرورة حتمية في هذه المرحلة من تاريخنا الوطني الحزبي إذا أردنا للمؤسسة الحزبية أن تتجاوز سطحية “حقوق اللافتة والختم” لتتجذر عميقا في الأرضية الاجتماعية الوطنية.
وأعتقد أن الدعوة التي أطلقها قياديون سياسيون خلال الأيام الماضية حول ضرورة مراجعة الخارطة الحزبية في البلاد وخاصة وضع ضوابط تحدّ من تشتت المشهد الحزبي الموريتاني، وكذلك الدعوة القديمة الجديدة لوضع “ميثاق شرف” بين الأحزاب لمراعاة الخطوط الحمراء أخلاقيا ووطنيا، والأهم إيجاد برنامج مجتمعي وثقافي ميداني مشترك، وغيره.. هي أمور تندرج في إطار تحسين صورة المؤسسة الحزبية في البلاد، وهي صورة، في جوانب منها على الأقل، ملطخة بـ “الشخصنة” و”المزاجية”، وحتى “اللاعقلانية” في بعض التصرفات والمواقف.
إنني واثق تمام الثقة من أن هناك عقولا سياسية في هذا البلد بإمكانها تحويل ثنائية “النضال الحزبي والنجاح الانتخابي” إلى عمل أكثر مؤسسية، لأن التجربة الديمقراطية في البلاد باتت تتطلب شجاعة إعادة تأسيس ممنهج، بعيدا من إكراهات “اللحظات السياسية الساخنة”.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد