كلما اعتمدت الأنظمة والدول مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب، كلما كان ذلك مدعاة لإرساء أسس قوية وثابتة لعملية التنمية وتطور البلد ورخائه.
فالتعيينات على أساس الكفاءات والولاء للوطن والإحساس بالمسؤولية هي ما يكفل للبلد تقدمه وللمواطن تلبية احتياجاته الأساسية في الرخاء والازدهار والرفاهية، لأنها تجعل من الإدارة إدارة خادمة، ومن المسؤول أمينا على شؤون الناس يخدمهم بكل تفان وإخلاص ومسؤولية.
عندنا ما زال الأمر يحتاج إلى الكثير من التقويم والإصلاح، حيث لا تجد – غالبا- من يلتفت إليك أينما حللت في المرافق والإدارات العمومية المختلفة، بل إنك قد تسمع الأذى وتراه من المسؤولين أنفسهم لمجرد أنك تسعى وراء خدمة عمومية رصدت الدولة أموالها وكل وسائلها لتيسّرها لك افتراضا!!
في الغالب ترى (المسؤول) منهمك تماما وليس في وقته سعة حتى للرد عليك، وكأنه سيسوي مشاكل البلد كله؟! لكنك حين تدقق تكتشف أنه مشغول بحسابات الربح والخسارة، والاتصال بمن سيزيدون من رصيده المالي مقابل خدمات قد لا تكون مشروعة أصلا!!.
في إحدى الوزارات جئت لتخليص معاملة تخصني كمواطن، وكان كل قسم وكل مصلحة يحولني إلى جهة أخرى على أساس أنها هي المعنية بهذه المعاملة، وبعد اتصالي بأعلى مسؤولي القطاع، المشغول تماما، (اكتشفت) أن علي التوجه إلى رئيس مصلحة بذاته، لكن هذا الأخير كان أكثر انشغالا من الوزير ومن بقية رؤسائه في القطاع، لدرجة أنه قال لي بالحرف ارجع الأسبوع المقبل!!، وحين سألته هل سمعت ما أريد قال لي وهو في عجلة من أمره: لا يهم، أنا الآن مشغول وعليك أن تعود في الأسبوع المقبل حتى أستطيع الاستماع إليك؟!! وفي الأسبوع الموالي قال إنه ما زال مشغولا وأتصور أنه سيظل كذلك إلى الأبد، فقد أنهيت المعاملة بواسطة رئيسه المباشر دون علمه هو لأن الرجل على الأقل استمع وأدرك أن للموضوع أولوية، وحين سألت عن رئيس المصلحة قيل لي إنه هكذا دائما منذ أزيد من ثلاثين عاما؟!
كان ذلك مجرد نموذج للإدارة السيئة.. وهي إدارة أثقلت كاهل المواطن وحرمته أبسط حقوقه متمثلة في الإحساس بالانتماء للوطن وفي المعاملة المقبولة التي يشعر فيها المواطن بأن له حقوقا يستطيع أن يستوفيها متى شاء.
وليس هذا الموظف سوى نموذج بسيط ومصغر لآلاف الموظفين من أمثاله ممن يمكنهم حتى أن يعتدوا عليك جسديا لمجرد أنك تسعى وراء حق من حقوقك كمواطن!!
ترى أين نحن وإدارتنا من العالم من حولنا؟، حيث تنقضي المعاملات هناك في أوقات قياسية وفي جو من الاحترام والمسؤولية المطلقة، مع الابتسامات التي تشعرك بأنك مخدوم وبأنك مواطن من الدرجة الأولى.
هذه هي إدارتنا (الخادمة)، حيث لا لغة تعلو فوق لغة المعاملات المشبوهة التي يكون فيها الراشي هو السيد والمواطن الحقيقي وهو صاحب الكلمة الأولى، بينما يغيب صوت من لا يمكنه تقديم الرشوة (للموظف) و(المسؤول) ؟!.
إن السلطات المختصة، مدعوة إلى أن تضع هذه القضية في مقدمة اهتماماتها، لأنه لا تقدم ولا تنمية في ظل إدارة فاسدة تعتمد على أمثال هؤلاء الموظفين الذين لا يقدمون أدنى خدمة للمواطن ولا يهمهم سوى تزويد أرصدتهم وحساباتهم بالحرام.
وأنا واثق تماما – مثل غيري من مواطني هذا البلد البسطاء- من أن النهج الذي يتبناه رئيس الجمهورية، سيغير من هذه المسلكيات المشينة ويجعل الإدارة في خدمة المواطن حقيقة لا شعارا للاستهلاك السياسي كما جرت العادة بذلك، حيث نبرة الصدق صاحبتها إجراءات عملية ملموسة تجعل المرء يتفاءل بتصحيح هذه الأوضاع المتردية إلى أقصى درجة.
وعلينا كمواطنين أن نسهم، كل من موقعه، في تكريس هذا التوجه وترجمته عمليا على أرض الواقع من خلال ترسيخ ثقافة المواطنة والقيام بكل ما يلزم في هذا الاتجاه خدمة للوطن ولتطلعات المواطنين في بناء غد أفضل تتغير فيه معالم ومسلكيات دولة لم يكن المواطن البسيط فيها إلا ضيفا ثقيلا وغير مرحب به، إلى موريتانيا الجديدة التي نحلم فيها بالرفاهية وبصدق الانتماء.
الموضوع الموالي
وزير الدفاع الوطني يستقبل سفير دولة الإمارات العربية المتحدة