AMI

الأستاذ الجامعي البكاي ولد عبد المالك: دلالات تاريخية وسياسية عميقة لخطاب رئيس الجمهورية بأطار

قال الأستاذ الجامعي السيد البكاي ولد عبد المالك، إن اختيار الرئيس الراحل المختار ولد داداه، ورئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، لولاية آدرار، وتحديدا مدينة أطار، لإلقاء خطابين بالغي الأهمية، لم يكن اختيارا عابرا، بل يحمل دلالات تاريخية وسياسية عميقة.
وأوضح، في حديث مع الوكالة الموريتانية للأنباء، يوم الخميس، أن هذا الاختيار يعكس معرفة الرجلين العميقة بتاريخ البلاد، مشيرا إلى أن كليهما ينتمي إلى جيل من المثقفين الذين يدركون أهمية الرمزية التاريخية للأماكن في تشكيل الوعي الوطني.
وأضاف أن ولاية آدرار تمثل، في جانب مهم من تاريخها، مهد الحضارة الشنقيطية، إذ ترتبط بدايات تشكل هذه الحضارة بالعهد المرابطي.
وأشار السيد البكاي ولد عبد المالك، إلى أن المنطقة ارتبطت بشخصيات علمية ودعوية بارزة، من بينها الإمام أبو بكر الحضرمي المرادي، الذي عاش في المنطقة ومارس فيها الدعوة، واشتهر بمؤلفه في السياسة، الذي يعد من المؤلفات النادرة في الفكر السياسي بالمغرب والأندلس وموريتانيا.
وأوضح أن حضور هذه الرمزية التاريخية في اختيار مدينة أطار يرتبط، على نحو خاص، ببدايات نشأة الدولة والحضارة المرابطية، وبالدور الذي اضطلع به أبو بكر الحضرمي المرادي في نشر الدعوة بالمنطقة، الذي استقدمه مؤسس الدولة المرابطية، أبو بكر بن عامر، إلى هذه البلاد لممارسة الدعوة، بعد عودته من المغرب والأندلس، حيث ترك شؤون الدولة لابن عمه يوسف بن تاشفين.
ويرى السيد البكاي ولد عبد المالك، أن هذا العمق الحضاري والتاريخي لم يكن غائبا عن خطاب الرئيس المؤسس السيد المختار ولد داداه، وخطاب رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بما يؤكد أن اختيار أطار كان مرتبطا بوعي واضح بالرمزية التي تختزنها المدينة والولاية في الذاكرة الوطنية.
وأشار إلى أن الحديث عن آدرار باعتبارها مهدا للحضارة الشنقيطية لا يقتصر على المرحلة المرابطية، بل يمتد كذلك إلى المدن الوسيطة، وفي مقدمتها شنقيط ووادان، اللتان شكلتا مركزين مهمين للإشعاع العلمي والثقافي، وأسهمتا في إيصال صيت موريتانيا إلى مختلف أرجاء المشرق والمغرب الإسلامي.
وأكد أن هذا الدور التاريخي جعل من آدرار أيضا أحد المواطن المبكرة لتشكل الوعي السياسي الوطني، مستشهدا في هذا الإطار بخطاب الرئيس المختار ولد داداه الذي ألقاه في مدينة أطار في الأول من يوليو 1957، والذي اختار فيه مخاطبة الأمة من هذه المدينة، مستهلا حديثه بتوجيه عبارات العرفان إلى سكان آدرار الذين اختاروه ممثلا عنهم.
ويرى أن انتخاب سكان آدرار للرئيس الراحل المختار ولد داداه يحمل دلالة سياسية بالغة الأهمية؛ فهو لم يكن ينتمي، من الناحية الجهوية، إلى الولاية، ولم تكن تربطه بها روابط قبلية أو روحية مباشرة، ومع ذلك اختاره سكانها ممثلا عنهم، قبل أن يتصدر لاحقا المشهد السياسي ويصبح رئيسا للجمهورية.
وبين السيد البكاي ولد عبد المالك، أن هذه الواقعة تعكس مستوى مبكرا من الوعي السياسي الوطني، تجاوز الأطر الضيقة القائمة على الانتماءات القبلية أو الجهوية أو المناطقية، وأبرز أولوية الانتماء الوطني على الاعتبارات المحلية، وهي، في رأيه، إحدى الدلالات التي استحضرها رئيس الجمهورية عندما اختار مدينة أطار لإلقاء خطابه.
وتحدث السيد البكاي ولد عبد المالك، عن البعد الحضاري والإقليمي في خطاب الرئيس المختار ولد داداه سنة 1957، معتبرا أنه تجاوز حدود الولاية والجغرافيا المحلية، إذ تحدث عن ما وراء هضاب آدرار، وما وراء تلال أوكار وتلال زفال، في إشارة إلى محيط موريتانيا الإقليمي، بما يعكس رؤية سياسية وحضارية ذات أفق يتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة.

وفي المقابل، يرى السيد البكاي ولد عبد المالك، أن هذا البعد الحضاري يجد امتداده في خطاب رئيس الجمهورية من خلال ما وصفه بالواقعية السياسية والالتزام بحدود الجغرافيا السياسية للدولة الموريتانية التي تأسست سنة 1960. فهذه الواقعية، في نظره، لا تتعارض مع الأبعاد الحضارية والتاريخية التي رسم ملامحها الرئيس المؤسس، وإنما تستوعبها ضمن إطار الدولة الحديثة وحدودها المعترف بها.
وأضاف أن ثمة رؤية حضارية مشتركة بين الرجلين تتمثل في الحفاظ على الثوابت الوطنية، وهو ما قال إن رئيس الجمهورية أكد عليه في مناسبات وخطابات متعددة، من بينها خطاب النعمة وخطاب عدل بكرو، حيث شدد على أهمية التنوع والانسجام بين مختلف مكونات المجتمع الموريتاني.
وفي هذا السياق، يستحضر الدكتور البكاي ولد عبد المالك، ما طرحه الرئيس الراحل المختار ولد داداه من تصور مستقبلي لما أسماه “موريتانيا الكبيرة” أو “موريتانيا الغد”، معتبرا أن قيام الدولة الحديثة بعد الاستقلال أسهم في إعادة رسم خريطة الدولة وتحديد إطارها السياسي والجغرافي، بينما ظل الحفاظ على الانسجام بين مختلف عناصرها ومكوناتها تحديا أساسيا.

وتطرق إلى مسار بناء الدولة الموريتانية والتحديات التي واجهت المشروع المجتمعي الذي حمله الرئيس المختار ولد داداه، مشيرا إلى أن البلاد واجهت، بعد الاستقلال، تحديات اجتماعية وسياسية واقتصادية متعاقبة، من بينها أحداث 1966 و1968، وحرب الصحراء، وموجات الجفاف التي ضربت البلاد، خصوصا منذ سبعينيات القرن الماضي.

وأوضح أن هذه الظروف المتراكمة أثرت بصورة كبيرة في المشروع المجتمعي الذي كان الرئيس المختار ولد داداه يسعى إلى بنائه، وأدت إلى تعثره وعدم بلوغه النتائج التي كان يتطلع إليها، لكنها لم تؤدِ إلى انهيار الدولة أو القضاء عليها.

ويؤكد السيد البكاي ولد عبد المالك، أن الدولة الموريتانية واصلت مسارها، وشهدت تحولات ديموغرافية وتنموية وعمرانية مهمة، وأفرزت هذه التحولات بدورها مجموعة جديدة من التحديات، بعضها إيجابي وبعضها سلبي، مشيرا إلى أن هذه التحولات والتحديات هي التي يطرحها رئيس الجمهورية اليوم ضمن مسار الحوار الوطني، مبرزا أنه في هذا الجانب يبرز قدر من الانسجام بين رؤية الرئيس المختار ولد داداه ورؤية رئيس الجمهورية، يتمثل في الحفاظ على ثوابت الدولة ومقومات وحدتها، مع الاستعداد لمناقشة القضايا والتحولات التي يفرضها تطور المجتمع والدولة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد