AMI

أخلاق الخارج

بقلم: سيدي ولد أب
سأكون ممتنا وعارفا بالجميل لمن يغير قناعة راسخة كبرت مع الأجيال، وتعهدها بالرعاية والاحتضان كل أولئك الذين حكمونا باسم وهم اسمه الشعب والأمة، على مدى نصف قرن من استقلالنا المزعوم، تصدح من دون كناية ولا تورية بأننا نجانب الصواب ونجد السير عكس التيار ونستعجل قطع المسافات إلى الوراء وضد مصالح البلد وما تصبو إليه ساكنته ويحلم به أبناؤه.
وسأرفع فوق ذلك وأكثر منه القبعة وأنحني على طريقة اليابانيين في التحية، لمن يأتي ببرهان- ولو يعوزه الدليل البين والحجة البالغة- على أن أزمة هذا المنكب البرزخي الأخلاقية تصدر عن سبب واحد أو ترجع إلى محور بعينه ومشكلة بذاتها، تشكل خلفية ومرجعية لحزمة المعاناة والعيش بين الحفر، التي هي دأبنا، منذ أخذنا على حين غرة، بوافد وكيان جديد، لم نتهيأ ولم نحسب له حسابه، اسمه الدولة.
صحيح أن نفي أسباب جوهرية لا تخطئها العين، وراء محنة البلد وارتهانه للتخلف وضياع حلمه في التطور وتغيير ما به من بؤس وفقر وفاقة، فيه تعسف ومجانبة وتجن على الحقيقة، وتمييع لواقع يشخص بشواهد ماثلة للعيان، إلا أن استشراء أزمة الدولة والمجتمع ونفاذها حتى إلى التفاصيل والجزئيات، يحيل وينبئ عن أكثر من سبب لهذا الوضع المأزوم الذي ما زال يقاوم كل وصفات العلاج ويرفض مختلف الأمصال المخترعة لذلك.
ومع ذلك لا مناص من الاعتراف بأن جذر الأزمة من أساسها، وأصل المشكل ومكمن الداء يخرج من أخدود واحد، حفرته هلامية وضبابية منظومة قيم مجتمع جديدة، طاوعت التأثيرات الوافدة، حتى تسللت إليها وتشربت من قشورها على حساب موروثها، فخرجت علينا بهجين مشوه يحمل في جيناته مورثا لا يمت لأنساقنا الحضارية بصلة، ولا إلى ما ترمز إليه قيمنا الأصيلة وتستند إليه وتتوكأ عليه من بعد حضاري، يمثله الشناقطة بموسوعية علمهم، وسمت أخلاقهم المعروف عنهم، أين ما حلوا وارتحلوا من بلاد الدنيا الفسيجة.
تلك أمة خلت، ضيع خلفها كل ما بنت وشيدت، وقدمه قربات على مذبح الانتفاعية الهزيلة والآنية، وكأنه بذلك يقتفي أثر الأجداد يتتبع خطاهم، أني وطأت قدماء شيخ شنقيطي صقعا من بلاد الإسلام، ينشر فيها أريج علمه الموسوعي، فيطمسون ذلك الصيت ويهدون تلك القمم الشاهقة السامقة بأثر رجعي، تحولت معه صورة الشنقيطي من ملاك إلى نقيض، تحوم حوله الشبهات ويؤخذ بها، وينادي عليه في مطارات السعودية وبانكوك وسنغافورة وميلانو وشانغهاى وأرض السند والهند وبلاد الواق الواق….انك أيها الشنقيطي أو الموريتاني- لم يعد الاسم يستوقف كثيرا- متهم وعليك إثبات العكس.
أما نحن فعلينا أن ندق ناقوس الخطر، ونعترف بأن مسلكيات وتصرفات الغالبية منا في بلاد المهجر تعمل كمعاول هدم وهد لتراث من التقدير والاحترام، صاغه وصنعه أسلاف متميزون في كل شيء، مثل إلى عهد قريب تاجا يضعه مواطن هذا البلد على رأسه في أي أرض يممها، يستقبل فيها بالحفاوة والتكريم، وتفتح له القلوب قبل الحدود، ويحصل على تأشيرة احترام، وعربون مودة وعرفان جميل وجليل أيادي علماء ومشائخ شنقيط البيضاء، أيام كانت هذه الأرض يشار إليها بالبنان، كعبة علم ومنارة رباط ومشكاة من نور يصدر عنها الناس أشتاتا، يرددون “ربنا أغفر لنا.. ولأشياخنا..”.
وأكثر من ذلك، مثل هذا التراث رأس مال وثروة متجددة وغير قابلة للنضوب، لو كنا أحسنا استثمارها ولم نعفر وجهها الناصع بصدإ التكالب على سقط المتاع، وإتباع أساليب ملتوية، وأحيانا احتراف خرق قوانين ونظم الدول والبلدان التي تستضيف الرحل ومداومي السفر من بيننا، والتحايل عليها باقتراف أفعال لا يقرها منطق ولا شرع أو قانون.
وربما يأتي هؤلاء شيئا نكرا- وهذا أصبح من الصور النمطية الشائعة عن الموريتانيين في دول بعينها تحتضن جالية كبيرة- يخل بالشرف ويخدش الحياء، ويسيء أكثر من أي فعل جرمي آخر لصورة بلد، كان إلى وقت قريب يرادف كلما هو سام ونبيل وجميل في هذه الحياة، ليس بكثرة سكان أو وفرة ثروات أو بعدد أجناد أو ترسانة سلاح، ولكن بفضل سفارة العلماء والدعاة المصلحين.
ليس سرا ولم يعد منولوجا داخليا، أن كيل سقطات وهفوات بعض من ينتسب لهذا البلد- وهو يجوب مشارق الأرض ومغاربها- قد طفح، وأن وقفة مع الذات ونظرة نقدية من الداخل لا تجامل أو تداهن من يسيؤون بأطوارهم الغريبة وسلوكهم المريض للبلد وأهله، أصبحت من الضروريات لتدارك ما يمكن تداركه، من سمعة وطن وبلد، مرغها حفنة من الانتهازيين في أوحال نفوسهم المريضة.
لذا أعتقد أن أول الغيث وبداية الطريق في محاربة ظاهرة الإساءة إلى البلد وأهله والوطن وصورته في الخارج من هوامش موتورة مقطوعة الجذور يبدأ بالبراءة منها أولا، من خلال:
– سن تشريعات وقوانين تجرم أي سلوك مشين يقترفه مواطن موريتاني على أرض أجنبية، على أن تشدد العقوبة إذا كان الفعل داخلا تحت طائلة الإخلال بالآداب العامة أو خيانة الأمانة.
– امتناع الدولة الموريتانية عن التدخل لدى الدول التي اقترف على أرضها أحد المواطنين الموريتانيين عملا من جنس الجرائم المشار إليها آنفا.
– التشهير بكل من يأتي جرما يضر بصورة البلد ومكانته بين الأمم أو مصلحته أو تتضرر منه علاقاته الخارجية،
وما لم تتم المبادرة لعمل جاد وغير محتشم يقطع دابر هذا النوع من التصرفات، التي تستنزف وتنهش كل ما شاده وبناه السلف من سمعة وصيت في لمح بصر، سيعدي الأجرب منا الصحيح ويختلط على العالم ويصعب عليه التمييز بين المحسن منا من المسيء.
عندها سنفكر جديا في تلبية الدعوة، ولكن حينها ستكون الفرصة ضاعت من بين أيدينا، ولم يعد بأيدينا مواجهة أخلاق الخارج هذه التي يصر عليها بعض من بني جلدتنا.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد