AMI

الحوار هو المهم لا المرجعية

لا يوجد خصوم دائمون في السياسة، تماما كما لا يوجد فيها أصدقاء دائمون، إذ الساحة السياسية في العالم كله من أكثر “الساحات” تقلبا وميزاجية..
والذي يستخلصه القارئ للتاريخ السياسي، في أي أمة، هو أن السياسيين أناس أذكياء جدا، فهم يجعلون “قطعان الجماهير”، بما فيها من علماء ومفكرين ومثقفين ومتعلمين، تلهث وراءهم، بل وتستعد للموت من أجلهم أحيانا. وبذلك بنيت “المدن السياسية الفاضلة”، ودمرت أيضا “ثوابت مركزية” عن بكرة أبيها لأنها وقفت عائقا في وجه “حلم حضاري” لدى هذا السياسي التاريخي أو ذاك.
وإذا كان البعض قد سمى السياسة باللعبة، فذلك لأن الخاسر فيها يخرج سالما، وهذا ما ميزها عن غيرها من معارك يتم فيها سلخ الجلود وتكسير العظام، فيما للسياسة سلاح واحد هو “الدهاء”.
إن النصر أحلى دائما في معارك “اللعبة السياسية” وأقل تكلفة، ولكن السياسيين لا يعترفون بالهزيمة غالبا لأن نهاية المعركة بالنسبة لهم بداية لأخرى.. وهكذا إذا قدر لأحدكم دخول المعترك السياسي، وهو ليس سياسيا بالفطرة، فسرعان ما سوف يجــن، ويصبح من مرتادي طاولات العلاج العصبي، بدل كراسي “الأمر بالتنفيذ والنهي عن الإخلال بالأمن”.
وفي عالم السياسة، وإدارة “جماجم العامة”، يبقى الفرق بين سياسي وآخر هو قدرته على “إدارة المتناقضات”.. فتلك الموهبة هي وحدها من يحدد نجاح هذا السياسي أو ذاك في بلوغ أهدافه.
والأدهى من الأمر كله، أن لكل مرحلة “متناقضاتها” التي تتميز عن سابقاتها من حيث متطلبات التعامل معها، إذ “لا يصل الزمن في الفلك السياسي إلى حدود اليابسة أبدا”.
في موريتانيا المرحلة الراهنة، نحن بحاجة لأطباء وإبر ومسكنات وصدمات كهربائية، وكل معدات مستشفى الأعصاب، لكي نفهم “الجزء الحالي” من اللعبة السياسية، وخاصة “لعبة شد الحبل”، والخلاف المصطنع بين الطرفين في مجال الحوار السياسي.
لكي تكون الصورة أكثر قربا… الرئيس يلتقي بعض زعماء المعارضة، وهؤلاء يعبرون عن تفاؤلهم.
النظام مستعد للحوار والتشاور في كل القضايا أيا كانت وفي أي مكان وأي زمان ووفق الدستور.
والمعارضة مستعدة للحوار والرقابة ولعب دورها في خدمة البلد. وهذا ما أعلنته أكثر من مرة.
ثم تقف كلمة واحدة هي (اتفاق دكار) عائقا بين خطابي الطرفين، ثم تتحول هذه “الكلمة” إلى حائط مبكى لسكب الدموع ولطم الخدود ونـدب الحظوظ.
إنه الذكاء الفطري لصقور الأغلبية والمعارضة في اختلاق أزمات مستنسخة من رحم الإصرار على أجواء التأزيم والتصعيد.
رفض هؤلاء الحوار وفق “اتفاق دكار” فرفض الآخرون الحوار على أساس الدستور.. كيف نخرج من معادلة البيضة والديكة.
كذب من قال إن “السياسة هي فن الممكن”، تلك هي روح العجز والاستسلام، فلم يكن “الممكن” فـنـّا أبدا ولن يكون.. ولولا العزم على “غير الممكن” لما تجرأ الإنسان وخرج من الكهوف، ولما تطورت البشرية، ولما قامت الثورات، أو تقدم أي بلد.
مواجهة “اللاممكن” سياسيا وتنمويا هي ما يفيد موريتانيا الآن، وعلى كل سياسييها رفع هذا التحدي، بالحوار والتشاور والاحترام المتبادل.
لقد أعلن الرئيس، وأمام الملأ، أنه مستعد للحوار في كل القضايا، وهذا هو المهم فابحثوا، يا قادة المعارضة، مع الرئيس كل القضايا التي تودون، إلا إذا كانت في “قميص دكار” قضايا ليست للحوار والنقاش والبحث. فتلك مسألة أخرى.
البلد يمكنه أن يظل في أجواء الحملات، لكن هذا ليس في صالحه، وعلينا التخلي عن محاولات قصم ظهر البعير، خاصة إذا كان ذلك يتم بـ”القش اللفظي” غير المفيد.
إن من الواجب الحرص على المطالبة بالحوار السياسي بين الرئيس وزعماء معارضته، لنتائجه الكثيرة على البلد وعلى الطرفين.. ففي جانب واحد مثلا تعتبر المعارضة قناة رقابية بالغة الأهمية لأي رئيس جاد، لأنها توصل إليه ما تحجبه، أو قد تحجبه الإدارة والأغلبية من معلومات بالغة الحيوية عن وضعية السكان ومختلف قطاعات البلد.
وحده الزمن لا يمكنه أن يحترم أحدا، ولهذا علينا احترامه، والعمل وفق نواميسه، ومن مقتضيات ذلك تقليم أظافر “الصقور” التي لا تقبل العيش في الوسط الطبيعي، وتلك التي تود العبث بما تبقى بعد خمسين سنة من بقايا “الحريم الوطني”.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد