د.محمدو ولد المـرابط ، أستاذ تعليم عالي
drlemrabott@yahoo.fr
شهدت الساحة الفكرية الموريتانية في الفترة الأخيرة، تجاذبات بين المدافعين عن العمل الحزبي والسياسي ممن يعتبرون المشاركة السياسية ركيزة البناء الديمقراطي، وبين القائلين إن النفور من العمل السياسي أصبح واقعا معيشا، خاصة لدى فئة الشباب بفعل عوامل متعددة، جعلت الشباب بصفة خاصة، ينصرفون عن العمل الحزبي..
فلماذا لا يهتم الشباب الموريتاني بالعمل السياسي، وما هو موقفه من الأحزاب ؟ هل له هياكل ومنابر مستقلة يعبر من خلالها عن مواقفه ومطالبه؟ وكيف تتعامل السلطات مع الشباب؟
يعاني الشباب الموريتاني، بصفة عامة، من عزوف عن العمل السياسي بسبب فقدانه الثقة في العمل الحزبي، رغم مشاركاته الموسمية الفاعلة في العمل السياسي إبان الحملات الانتخابية، وهو ما يثير إشكاليات عديدة حول الأسباب الكامنة وراء هذا العزوف، ومدى قيام الشباب بالدور المنوط به في سبيل توعية المجتمع والنهوض به وخلق وعي سياسي لديه حتى يساهم في مسيرة بناء الوطن.
ويعود عزوف الشباب الموريتاني عن العمل الحزبي ومواكبة الحياة السياسية، إلى ما يعتبره البعض جمود الأحزاب وتراجع دورها في الساحة السياسية وفي المجتمع، بفعل عدم استيعاب أغلبها للتحولات التي يعيشها المجتمع الموريتاني، وهناك من يرجع ذلك إلى عوامل مرتبطة بما أصبح شائعا من شيخوخة الزعامات الحزبية وعدم تجديد النخب فيها، وعقم العمل الحزبي، وتهميش الشباب الناتج عن طغيان هاجس الوصاية المفروضة عليهم من طرف القيادات الحزبية، مما جعل مجال استقطاب الشباب عصيا على الأحزاب، التي أصبح أغلبها لا يكاد يستقطب سوى أعداد قليلة من المنخرطين الجدد، فالأحزاب تتعامل مع الشباب بمنطق الوصاية والإرشاد، في الوقت الذي يسعى أغلب الشباب إلى فرض آرائهم، وتفجير طاقاتهم وإبراز مواهبهم وتحقيق الذات،
والرغبة في طرح المشاكل بحرية ودون قيود، إلا أن بعض النخب الشبابية تعتقد أن استغلال الطبقة السياسية التقليدية للشباب لاستفادتها من طاقاته، والمتاجرة به عبر شعارات رنانة فترة الانتخابات والتخلي عنه بعد ذلك، هو ما يبعث روح اليأس والقنوط لدى كثير من الشباب الموريتاني، وحوّل، في بعض الأحيان، دافعه الرئيس للمشاركة زمن المواسم السياسية، إلى دافع مادي، إن لم يكن بدافع الولاءات القبلية والانتماءات الضيقة ، التي تعزز أحيانا انتماءات بعضهم الحزبية، وهو ما انعكس على الساحة السياسة التي كانت تعاني من الركود بسبب تغييب الشباب الذي يمثل غالبية الشعب (70%)، عن الشأن السياسي، وعدم السعي لإشراكه بشكل فعلي، حيث استسلم تحت وطأة الضغوط المعيشية الصعبة.
لكن هناك رأيا آخر يؤكد أن العمل الحزبي ما زال يستقطب عددا متزايدا من الشباب، وأن هناك جهودا تُبذل من طرف الفاعلين الحزبيين والسياسيين، قصد إعادة الثقة بالعمل السياسي لدى المواطنين، وخاصة فئة الشباب، وهو ما شكل أهم محاور الخطاب الحزبي لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية الذي يسعى إلى النهوض بالشباب وإشراكه في أهم القرارات السياسية، وينظر إلى الشباب باعتباره ركيزة أساسية من ركائز الحزب، وجسرا يمكن من خلاله العبور بالبلد إلى بر الأمان بعيدا عن المسلكيات التي لا تخدم الوطن، ويحرص على إشراكه في جميع الأنشطة التي يقوم بها، إضافة إلى الأنشطة المتعددة الخاصة بالشباب، وقام حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (“تواصل” الإسلامي) بإنشاء منظمة شبابية مستقلة عن الحزب لها نظامها الداخلي وتتخذ قراراتها بناء على اهتمامات هذه الشريحة والمشاكل التي تعاني منها، سعيا منه إلى أن يتحمل الشباب مسؤوليته الحقيقة التي يتطلع إليها وينتظرها منه المجتمع، أما حزب التحالف الشعبي التقدمي فيعتبر أن مختلف الطاقات الشبابية من مثقفين وفنانين ورياضيين تلعب دورا رياديا في بث خطاب الحزب داخل الفئات الشبابية التي قد لا تستوعب إلا مثل هذه الأنماط.
ويربط العديد من المراقبين بين المشاركة السياسية للشباب وبين التطور الديمقراطي وتعميق الإحساس بالمواطنة، على أساس أن السياسات الماضية خلفت انعكاسات سلبية على حجم المشاركة السياسية للشباب في الأحزاب، بسبب غياب هذين العنصرين اللذين تبذل الدولة، حاليا، جهودا حثيثة لتحقيقهما، في ظل وضعية تظهر الأحزاب السياسية في موقع المساءلة، لأن العديد من الشباب أصبح يعتقد بعدم جدوائية الانخراط في الأحزاب، طالما أن الديمقراطية الداخلية للأحزاب لم تترسخ بعد، وطالما أن الجو العام السائد داخل الأحزاب لا يوفر أي هامش للعمل السياسي البناء والمثمر المبني على تفجير الطاقات والمواهب التي يزخر بها الشباب، لأن موضوع الشباب يطرح مسألة الآفاق والمكانة التي يفتحها المجتمع للأجيال الشابة،
فعندما يشعر الشاب أنه يعيش في مجتمع يحسن الإنصات إليه ويمنحه الاهتمام المستحق والرعاية اللازمة، فإنه ينخرط بحماس في العمل السياسي، وعندما لا يجد متنفسا له، فإن ذلك يدفعه إلى الانصراف عن العمل السياسي بعيدا عن البيروقراطية الداخلية للأحزاب،
وخلافاتها الداخلية، وازدواجية البعض من هياكلها وخطاباتها، وهو ما أدى إلى ظهور أصوات تتعالى مطالبة بمزيد تعميق الحوار العقلاني والهادئ حول الشباب، وإشراك مختلف المكونات الديمقراطية فيه، والانفتاح أكثر على مشاغله وهمومه وتصوراته، والاستماع إلى مقترحاته مهما كانت درجة اختلافها مع التوجهات الرسمية.
مقال منشور بمجلة المرصد الديمقراطي، الصادرة عن مركز دراسة الإسلام والديمقراطية بواشنطن، العدد يوليو 2010م
الموضوع السابق
واقع وآفاق الصحافة في المجتمعات الديمقراطية موريتانيا نموذجا
الموضوع الموالي