الجميع يعلم أنني لست خبيرا زراعيا، ولا علم لي إطلاقا بأصول “فن الزراعة”، وأكثر ما يستهويني في عالم النبات هي الورود والأزهار خاصة إذا كانت الفراشات تطير فوقها بأجنحتها الملائكية الأخاذة.
لكن في بلد صحرواي كموريتانيا يعاني من الفقر والجفاف لا مكان للزهور ولا للورود، وحتى إذا قام “أحد ما” بزراعتها فسوف تبور لأن المجتمع الموريتاني لا “يستهلك” الزهور، وخاصة الطبقة السياسية الموريتانية التي لا تمل من لعبة تبادل غرز الأشواك، وليس في قاموسها شيء اسمه “الانفتاح” أو “الاجتماعية السياسية”.. إذن أنا لا أنصح أي مستثمر بزراعة الزهور لأنه سيكون أغبى مزارع في هذا البلد.
اليوم سوف تدشن الحكومة الموريتانية “الحملة الزراعية الجديدة” (2010-2011)، ويبدو أن السلطات حددت أهداف هذه الحملة، وسوف أوجزها في البند المتعلق بتحقيق زيادة في الإنتاج الزراعي بنسبة 40%.
بلا شك هذه النسبة طموحة جدا، بل وتمثل نقلة نوعية في الزراعة، ودعما واضحا لبرنامج الأمن الغذائي الذي بات يشكل “العامل الاستراتيجي الأول” في كل بلدان العالم، وخاصة بلدان الجنوب.
ليس سهلا تحقيق هذه النسبة (40%)، إلا أن الإمكانيات التي ستبذل فيها من أموال وجهود تستحق العناء لأن آلاف من سكان البلاد في القرى والأرياف والمناطق الزراعية يعتمدون كليا في حياتهم على القطاع الزراعي، فضلا عن الـثري على السوق الوطني.
والاهتمام بهذا القطاع الحيوي يعني الاهتمام بهؤلاء الآلاف، وإهماله يعني إحالتهم إلى التقاعد من العيش، وإضافتهم إلى القائمة الطويلة للمتواجدين تحت خط الفقر.
لكن في انتظار نتائج الحملة الزراعية المرتقبة، تطل أسئلة عديدة تطرح منذ سنوات دون أن تجد إجابات شافية.
ما هي مشكلة القطاع الزراعي في البلاد. نحن نسمع أن المليارات أنفقت فيه طوال العقود الماضية، بغض النظر عن شكل ذلك الإنفاق، ونسمع عن القرض الزراعي، ودعم البذور، واستصلاح الأراضي، وغير ذلك. ثم نتأكد أن أفضل إنتاج وصل إلى 26% فقط من حاجيات البلاد من الحبوب فقط أيضا، وأن تلك الحبوب لا تعرف بالضبط مدى سلامتها للصحة، نسمع الكثير من القيل والقال، ثم نسمع بعد ذلك أن القطاع في أزمة، وأن المزارعين عاجزين عن تسديد ديونهم، والإنتاج ينخفض، وسعر المنتوج الزراعي المحلي أعلى من سعر المنتوج المستورد مع فارق الجودة. كل هذا نسمعه ويسمعه المواطن دون أن تقدم له “الحقيقة على منجل”.
ما نعرفه هو أن المستثمرين الخارجيين أشادوا بالفرصة التي يتيحها القطاع الزراعي في البلاد، وأن اليد العاملة متوفرة و”تزيد عن الطلب”، وأن الأراضي موجودة صالحة وقابلة للاستصلاح، والمياه موجودة.. ولكن أين الخلل.
الخلل واضح نظريا إذا قلنا إن كل القطاعات في البلد كانت تسير بعقلية استثنائية تهدف لري وإرواء “الأنا” الشخصية، وإسكات “المزاجية العامة” دون الأخذ بالاعتبار لأي مصلحة عليا، وأي مقومات تنمية مستديمة.
قد تكون الحكومة الموريتانية أبلغت المزارعين تفاصيل خطتها الزراعية لهذه السنة، لكن المسؤولين لم يقدموا تفاصيل تذكر للرأي العام الموريتاني، وقد تكون الحكومة شخصت القطاع على ضوء معطيات جديدة، لكن الرأي العام أيضا لا يعلم شيئا عن ذلك.
سألت بالأمس خبيرا زراعيا عن كيفية الاطلاع على مقدرات البلاد الزراعية بالأرقام والمعلومات الموثوقة، وعلى الواقع الحقيقي لقطاع الزراعة وكيفية تنميته، فأجابني بالقول “كل ما أعرفه أنه من الضروري إعداد كتاب أبيض عن الزراعة في موريتانيا”. ينوّر المواطنين، ويكون دليلا للمزارعين والمستثمرين. وبذلك يحصد صانع القرار عدة عصافير بـ”بذرة” واحدة.
الموضوع الموالي