AMI

خيارات الجائع بقلم محمد فال ولد عبد اللطيف

الشعوب الإفريقية! يصفونها بكثير من الأوصاف! قالوا إنها شعوب بدائية، وقالوا: شعوب متخلفة أودى بها الجهل والجوع والمرض والجدب.. وقالوا كثيرا غير ذلك.
وربما أدركتهم رقة فأصدروا بشأنها أحكاما أقل قسوة فقالوا إنها شعوب كريمة أصيلة شجاعة وفي غالب الأحيان مسالمة…
ومنذ أربع سنوات تقريبا نسمعهم يصفونها بأنها شعوب ضائعة جائعة، سدت أمامها الخيارات فهي في السياسة مغلوبة على أمرها، وفي الاقتصاد مضرو علة فمها مدفوع في صدرها وفي الثقافة مقهورة في فكرها مغزوة في عقرها، فأنى لمن هذه حالة أن يأتي بخير.
واختلفوا في أسباب هذا الوضع المتردي بعد التسليم بوقوعه – فمن قائل: هو من آثار لعنى قديمة القيت على هذا الجزء من المعمورة غيرت سحنات أهله وثبطت هممهم وأفقدتهم الثقة بأنفسهم فصاروا أشبه شيء بالرجل المسحور والكلب المسعور أمرهم عليهم غمة لا يخرجون من الوحل رجلا إلا غاصت الأخرى، كلما أسسوه من إصلاح فإلى فساد، وكل ما اثلوه من ثروة فإلى نفاد.
ومنهم من يقول: ما تسبب ما تعانيه الشعوب لإفريقية المسكينة إلا الاستعمار فهو الذي أكل الغلة وغير الملة وكبل العقول وقيد الآراء وترك الأرض صعيدا جرزا كثيبا أهيل، كل ما فيها من المواد الأولية والأخروية وترك الإفريقيين كالأقزام أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام.
ومنهم من يرى أن الشعوب الإفريقية لا بأس بها لولا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فصندوق النقد مثلا هو الذي جر لهم الفقر المدقع ليداوي عنهم الفقر المدقع فما أشبه بهذا الذي يستعمل أسلحة الدمار الشامل بحثا عن ألأسلحة الدمار الشامل، صندوق النقد الدولي هو الذي قال لهم خوصصوا كل شيء حتى التوحيد فقانون السوق كفيل بإبقاء الأصلح الأقوى وليمت الأضعف الأعجف فتلك سنة الكون. صندوق النقد الدولي هو الذي قال لهم لا تزرعوا الأرز فلا مردودية له وازرعوا الكاكاو والبن والأناناس فهي خير مردا واشتروا بأثمانها ما تشاءون من الأرز، فلما نفد الأرز على المستوى العالمي فخرجت إلى السوق الأفواه الجائعة تطالب بالأرز قال لهم مقالة إبليس لعنه الله الواردة في سورة ابراهيم عليه السلام: {ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي}.
ذلك ما يعبر عنه أهل الفن بالإصلاحات الهيكلية فأما مؤسسات النقد الدولية فتنظر إليها نظر طبيب يجرب لأول مرة لقاحات على فأر أو فرد فهو ينتظر نتيجة تلك التجربة وليس على يقين من نجاعتها فان نجحت فلا بأس وإن لم ينجح فما هو إلا فأر نفق أو فرد هلك وهو شيء ما نقص الدنيا.
وأما ولاة الأمور فينظرون إليها على أنها دواء مر كالصاب والحنظل لامراء في ذلك وأما كونه نافعا للبدن محمود العاقبة فهم من ذلك في شك قريب إذ لم يسمعوا قط ولم يروا قط مريضا شفي بتناوله ولكنهم مرغمون على تناوله لأن المريض المدنق لاعار عليه في أ، يبد الأسباب لعل الله يجعل له في بعضها شفاء.
وأما المواطنون العادون فيرون فيها الويل الأحمر: أغلت السلع وشد الهلع سد السبل وقطع الأمل فترى الشباب وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت – يهاجرون من بلدانهم الإفريقية إلى أوروبا يطلبون فيها المراغم والسعة فيدركهم الموت أمام الأسلاك الشائكة أ, داخل الزوارق الهالكة، مع أنهم لو كتبت لهم النجاة والوصول إلى تلك الجنة الموعودة لما كانوا إلا مهاجرين سريين كتبت عليهم الذلة والمسكنة والتقية الدائمة يحسبون كل صيحة عليهم، عبئت الوسائل المادية والمعنوية لصدهم ملعونين أينما أخذوا وقتلوا تقتيلا فلو أن بلدانهم لم تخضع للاصلاحات الهيكلية لكانت لهم فيها مندوحة ومتسع ورحم الله عمرة بن الأهثم التميمي حيث يقول في قصيد له مشهور:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها
ولكن أخلاف الرجال تضيق
أما المهاجرون فمعذورون إذا ضاقت أخلافهم ذلك أن الجائع أمامه أربعة خيارات لا خامس لها وهي: الإضراب عن الطعام واستجداء الكرام، أو ذم اللئام، أو الهجرة إلى دار إسلام وقد اختار المهاجرون هذه الأخيرة بعد تعذر الثلاث الأول وعلى الله المعول.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد