“أشهد أنني وجدت ذاتي في هذه المدينة، مدينة التاريخ والحاضر والمستقبل”، بهذه الكلمات استقبلني المقيم السينغالي المختار سين، رئيس الجالية السينغالية في أطار، صبيحة يوم الاثنين ببيته العامر بحي “أمباركه وأعماره” في مقاطعة أطار خلال مقابلة صحفية تحدث فيها عن أهمية تفعيل شروط الإقامة وضرورة احترام الإجراءات التنظيمية والقانونية للدولة.
بنظرة ثاقبة لرجل سبعيني يومئ برأسه إلى زوجته، السيدة فاطمة ناصر الدين من مدينة روصو بولاية اترارزة، وهو جالس على كرسي حديدي، يظله عريش بسيط، تحيط به بيوت حجرية في مشهد يسوده الهدوء، يجيب مضيفي عن مضمون ارتباطه بالمكان.
“لقد استقر بي المقام في مدينة أطار عام 1995، بعد زواجي بسنوات قليلة، حيث رزقت بولدين وثلاث بنات، ولدوا، لله الحمد، بهذه المدينة، ترعرعوا فيها وتربوا على القيم الإسلامية السمحة، وتزوجوا فيها، ورزقوا الذرية الصالحة، وأصبحت جدا، بفضل الله وحمده”.
يعرف المختار الملقب (انجاكه) لدى سكان الولاية بمهنيته العالية ومهاراته الفريدة في مجال إصلاح كهرباء السيارات، حيث كانت ورشته وما زالت وجهة لكل الباحثين عن الاتقان والنصح في العمل.
لقد درب (انجاكه) على يديه عشرات الفنيين من أبناء المقاطعة من بينهم ابنه البكر، الذي تربع فيما بعد على عرش هذه المهنة، بعد تعرض والده لوعكة صحية دفعته إلى التخلي عن العمل بعد مسيرة مهنية حافلة بالعطاء والنشاط والحيوية.
وحسب تقديرات رئيس الجالية، فإن عدد أفرادها المقيمين بمدينة أطار يتراوح ما بين 50 إلى 60 شخصا، يعيشون في انسجام تام مع السكان الأصليين، يتقاسمون معهم نعمة الأمن والاستقرار في ظل ثقافة مجتمعية منفتحة متشبعة بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف تحترم خصوصية الآخرين وتحفظ لهم مكانتهم في ظل منظومة قانونية وأخلاقية تصون لكل ذي حق حقه.
وفيما يخص العلاقات الموريتانية السينغالية، كان انجاكه فخورا بها معربا عن أمله في أن تتطور وتزدهر أكثر فأكثر في ظل المصلحة المشتركة للشعبين، مشيرا إلى أنه لم يلاحظ طيلة مقامه في هذه المدينة السياحية الجميلة أي مضايقات لا على مستوى علاقته المهنية، ولا على مستوى علاقاته الاجتماعية التي تربطه بسكان الولاية.
وفي السياق ذاته، أكد ممثل الجالية المالية بمقاطعة أطار، مامادو كيتا، أن عدد الجالية بالمدينة يتراوح ما بين 70 إلى 80 مقيما، يمارسون مهنا من بينها مهنة بيع الحديد (فريير) والصباغة وخدمة المنازل.
وأضاف أنه جاء لمدينة أطار عام 2006 واستقر بها بعد زواجه عام 2007 من عيشة سيما، من ولاية آدرار، حيث انجبت له ثلاثة أطفال، هم محمد والحسين وفاطمة، يحملون أوراق ثبوتية موريتانية.
وأوضح أن ابنه البكر محمد، الذي يبلغ من العمر ثماني سنوات، يدرس بالقسم الثالث بالمدرسة الابتدائية رقم 7 بحي أمباركه وأعماره صحبة أخيه الحسين، الذي يدرس بالروضة في المؤسسة ذاتها.
ممثل الجالية المالية أشاد بمستوى العلاقات الأخوية والدبلوماسية بين البلدين الشقيقين، مؤكدا أنه لم يشعر في أي يوم من الأيام بإحساس الغربة نظرا لما يميز سكان الولاية من الانفتاح ومحبة الخير للآخرين.
وبين أن الشعب الموريتاني والشعب المالي تربطهما علاقات تاريخية، تعززت بفضل وحدة الدين الإسلامي ووحدة القيم الثقافية والاجتماعية المشتركة ووحدة المصالح الاقتصادية وما تمليه طبيعة التحديات التنموية للجارتين الشقيقتين.
وعبر ممثل الجالية المالية عن ارتياحه للإجراءات التنظيمية التي اعتمدتها الحكومة الموريتانية، مطالبا بضرورة تسهيل تجديد الإقامة لأفراد جاليته.
وقال: “لقد تواصلنا مع السلطات الإدارية المحلية وأطلعناهم على وضعيتنا وظروف إقامتنا وطبيعة أشغالنا وما نقدمه من خدمات”، معتبرا أنهم أصبحوا يشكلون جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي للمجتمع، ويشعرون بمسؤولية مشتركة في المحافظة على سيادته وأمنه واستقراره.
تقرير: محمد إسماعيل