زوارق خشبية تتقاذفها الرياح والأمواج وسط نهر متقلب المزاج، فتعلو بها تارة وتنخفض بها تارة أخرى وهي تتهاود جيئة وذهابا، بعد توقف فرضته “الجائحة” لثلاث سنوات لم يتغير معها المجداف والملاح.
في مدينة “لكوارب” والتي تسمّت شهرة بمراسيها، يحتفي أبناؤها من ملاك الزوارق باستئناف حركة العبور والعودة إلى مراكب ظلت الوسيلة الأبرز لنقل الأشخاص والبضائع بين الضفتين.
مودي ولد بلّ مالك زورق خشبي بدا سعيدا وهو يتحدث على متن زورقه بحماس عن عودته إلى المجداف وقد بدأ في ترييب الألواح الخشبية وتنظيفها.
في مؤخرة الزورق أخذ “مودي” مكانه للجلوس وقد شمر عن ساعديه إيذانا بالعبور وتوزع الركاب مثنى وثلاثا وأربعا على ألواح متراصة اتخذوها مقاعد للجلوس وقد تشابكت من تحتها الحقائب والأرجل.
970 مترا لم يستغرق خلالها زورق مودي غير دقائق وهو يمخر بنا عباب النهر للوصول إلى الشاطئ بأمان، رغم تطاير رشقات المياه من حين لآخر وميل الزورق بنا حيث تميل الرياح.
مشهد ألفه مودي أربعين سنة وهو يستعيد ذكريات “عمله الوحيد” الذي امتهنه طوال تلك العقود، فلم يعرف غير نهر ظل ينشط فيه لنقل الأشخاص والبضائع على متن زورقه الخشبي.
ويقول “مودي” وقد تجاوز عقده السادس “كلنا مرّ بحالة استثنائية غير أنه لا يسعني إلا أن أشكر السلطات على السماح لنا بالعودة وبما قدمته لنا شركة العبارة من مساعدة في تهيئة الظروف المناسبة لهذه العودة المباركة”.
وكانت اللجنة المشتركة لتسيير العبور بين موريتانيا والسنغال قد سمحت لعودة الزوارق إلى النشاط بعد التوصل إلى اتفاق يفضي إلى حركة عشرين زورقا من البلدين في إطار تنظيم تناوبي يراعي احترام الإجراءات الصحية والاحترازية ضد جائحة كوفيد-19.
في غضون ذلك خصصت شركة معديات موريتانيا مكانا لتفريغ حمولة الزوارق وضبط حركتها في الشاطئ بالتعاون مع السلطات الأمنية في محيط “عبارة روصو”.
وفي الوقت الذي أعرب فيه الملاح “بوبكر” عن ارتياحه هو الآخر بسماح السلطات لهم بالعودة إلى النشاط فقد طالب برفع العدد لزيادة الفرص وتعويض ما قال إنها أضرار ألحقتها “الجائحة” بالعشرات من ملاك الزوارق منذ توقيف حركة العبور.
ويقول بوبكر وهو يلف حباله حول الزورق لتثبيته في المرساة “لم يخطر ببالي يوما أن أجد نفسي مضطرا للتخلي عن مجدافي وشراعي وأن أبحث عن عمل آخر قبل أن يباغت “كورونا” العالم كله بالاجتياح فتجري الرياح بما لا تشتهيه الزوارق والسفن، وها أنا أعود اليوم والحمد لله إلى مكاني الطبيعي”.
ويتابع بالقول “نحن جميعا نتفق على ما قاله مودي ولكم أن تنظروا إلى هؤلاء الذين يريدون العبور بالزورق فكم هو جميل هذا الشعور الذي ينتابني الآن وأنا أسمع هدير محرك زورقي وسط خرير المياه.. إنها الموسيقى التي أستمتع بها حقا”.
أما رفيقنا المسافر سعيد فيقول “الزورق مركبتي المفضله ففضلا عن متعة المغامرة فيه فإنه الأسرع والأنسب لمن خف حمله وانتهت إجراءات سفره”.
في مقابل ذلك ترابط عشرات العربات اليدوية على الشاطئ في انتظار ما تحمله الزوارق من بضائع وأمتعة للمسافرين لتنتعش الآمال بين ملاكها من جديد.
ريبورتاج: محمد فال ولد إبّ
مكتب الوكالة الموريتانية للأنباء في ولاية اترارزه