من أجل استقراء الانتخابات الرئاسية الماضية وتقييمها لا بد من الحديث عن الجو العام الذي جرت فيه وما رافق ذلك من إجراءات مصاحبة كان لها الأثر الواضح في تنظيمها تنظيما دقيقا أسفر عن انتخابات شهد القاصي والداني لها بمستوى من الشفافية والنزاهة مكنها من تبوء الصدارة على مستوى محيطها العربي والافريقي..
فمن المعروف أن الانتخابات الرئاسية التي جرت في 22 من يونيوا الجاري في موريتانيا ، قد تمت في جو يطبعه الهدوء والسكنية وتحلى فيها كل الأطراف بالمسؤولية واحترام الآخر وتغليب المصلحة العامة على الخاصة ، إلا أن المشهد السياسي عرف تحولا جديدا وتموقعا لمختلف مكونات الطيف السياسي، أفضى هذا التحول إلى بروز تحالفات جديدة مخالفة لما كان عليه الأمر من قبل التفت حول مرشح الاجماع الوطني فشكلت قوة ضاربة مهدت لفوزه في الشوط الاول من هذه الانتخابات و ذالك باعتراف المراقبين الدوليين والمحليين.
وتمهيدا لهذه العملية ومحاولة من السلطات العمومية لخلق ظروف تضمن شفافيتها وسيرها تم إنشاء اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، وحدد دورها ومهامها وصلاحياتها، وتم تعيين الطاقم المشرف عليها اعتمادا على مبدأ المحاصصة بين الأحزاب السياسية مع إشراك بعض الشخصيات غير الحزبية المشهود لهم بالكفاءة.
وبعبارة أخرى فإنه وحسب المتابعين فقد تمت مراعاة اختيار أعضاء الهيئة المشرفة على تسيير وتنظيم الانتخابات على أساس الكفاءة والخبرة والمهنية والتجربة الميدانية و التجرد والحياد الشيء الذي جعل هذه الانتخابات تمتاز بقدر كبير من الدقة والسرعة انبهر بها الجميع .
كما أن المتابع لهذه الانتخابات لابد له من التركيز على الحملة الانتخابية وخطابات المترشحين وأنصارهم تلك الخطابات التي وصفها المراقبون بالمسؤولة الشيء الذي مهد لأرضية صالحة لإقامة انتخابات شفافة شارك فيها إلى جانب مرشح الأغلبية والأحزاب الداعمة له أحزاب المعارضة بمختلف مشاربها وتوجهاتها حيث تمت هذه الانتخابات في ظروف مرضية لبت طموحات وتطلعات أغلب المشاركين فيها .
من جهة ثانية وصف المشرفون والمراقبون هذه الانتخابات بأنها «فاصلة»، باعتبارها أول انتخابات في تاريخ البلاد تفضي لتناوب سلمي على السلطة، بين رئيس حكم ولايتين رئاسيتين ورئيس جديد، وهو حدث غير مسبوق في البلاد طالما تاقت إليه نفوس الموريتانيين.
يقول احد المراقبين لهذه الانتخابات: “لقد فوجئت بما حدث في موريتانيا مؤخراً عندما قرر الرئيس محمد ولد عبد العزيز التخلي عن الحكم والإشراف على انتخابات نزيهة شهدت تنافسا محموما بين ستة مرشحين على منصب رئيس الجمهورية، لكن رغم هذه المنافسة فقد نجح المرشح الأوفر حظا السيد محمد ولد الشيخ الغزواني .
ويضيف: “كانت تجربة ديمقراطية جميلة حدثت دون صخب وتوتر وصراع وفوضى، ليت بقية الجمهوريات تتعلم منها”.
وأشار الكاتب: “نفرح لموريتانيا ونتطلع إلى نقل هذه التجربة وإشاعتها في الجمهوريات لإنهاء حكم الزعيم والقائد والملهم إلى الأبد”.
ويرى متابعون آخرون للشأن العام الموريتاني “أن الاستحقاقات الرئاسية الموريتانية الأخيرة “استثنائية في تاريخ البلد” وأن النجاح حالف المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني مرتين:
فالنجاح الأول: ” كان نتيجة حسن أدائه الرفيع الذي ما فتئ يقوم به حتى آخر أنفاس الحملة وذلك من خلال ما تحلى به من سلوك سياسي قويم وخطاب نابع من ثقافة عالية تنم عن وعي سياسي عميق… وأما النجاح الثاني فكان بتماسك وواقعية مفاصل برنامجه الانتخابي الذي ما شابه أي انحراف وقد لامس في مجمل محتوياته تطلعات الشعب وعبر عن أمله في تحقيق العدالة التي يطمح لها الجميع”.
وفي الأخير يمكن القول إن الانتخابات الرئاسية التي جرت في موريتانيا مؤخرا كانت مفصلا حقيقيا ودليلا واضحا أنار طريق الديمقراطية أمام الجميع وذلل صعاب وهادها للسالكين الطامحين إلى الحرية والانعتاق وأزاح كل العراقيل التي تقف حاجزا أمام آفاق التطور والتقدم.
من هنا فإن الهدف الأساسي عند جمع الموريتانيين هو بناء مشروع مجتمعي بعيدا عن التجاذبات السياسية والترفع عن الاعتبارات الشخصية والأطروحات الإيديولوجية الضيقة، وذلك من أجل المساهمة في تعزيز المكاسب وفتح آفاق جديدة خاصة أمام الشباب للعب دورهم في صياغة عقد اجتماعي يعكس تطلّعات وأولويات الشعب الموريتاني..
محمد ولد عبدي، كاتب صحفي