أثار قرار وزارة الشؤون الإسلامية، إغلاق باب التسجيل للحج عبر الأفواج المنظمة في وقت مبكر، استياء واسعا في صفوف الراغبين في تأدية هذه الفريضة هذه السنة.
وزاد من حدة الاستياء الفرق الواضح بين تكاليف الحج عبر هذه الأفواج وتكاليفه في رحلات الوكالات المختصة، حيث يصل الفارق أكثر من ثلاثمائة ألف أوقية للحاج الواحد، وهو فرق قد لا يستطيع كل راغب تحمله.
وقد أدى هذا الواقع إلى حرمان مواطنين كثر من تأدية مناسكهم هذه السنة، وخلف امتعاضا ومرارة في أوساط الراغبين في الحج، الذين لم يستوعبوا “تنازل الدولة” عن نسبة خمسين بالمائة من الحجاج المفترضين للوكالات.
وتساءل الكثيرون لماذا لم تقم الدولة، مقابل هذا “التنازل” الطوعي، بتوحيد أسعار الحج، أو على الأقل إبقاء الفرق في حدود معقولة، خاصة وأن هذا الأمر من صميم اختصاص السلطات المسؤولة عن تنظيم الحج.
وقد بررت وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي، قرار الإغلاق مبكرا بأن الإقبال ال”كبير من المواطنين على أفواج الوزارة أدى إلى اكتمال الحصة المخصصة لها قبل الوقت المعلن للتسجيل” وفقا للدكتور محمد سالم بن عبد الحي بن دودو، المستشار المكلف بالحج بالوزارة.
وأوضح أن الطلب “ظل إلى وقت قريب معدوما أو شبه معدوم، حيث كانت الدولة تلجأ في سنوات خلت إلى إغلاق باب التآشر أمام الوكالات حتى تحصل على أكبر قدر ممكن من حصتها، ثم تلجأ إلى التخفيض لإكمال مقاعد الفوج الأخير”.
واعتبر هذين “الإجراءين التعسفيين” فيهما “ظلم للوكالات كمستثمرين وطنيين خصوصيين، وظلم للحجاج” و”ظلم للمواطنين عموما بحملهم على التسجيل في أفواج لا يقتنعون بالخدمات المقدمة لها، ومنعهم من البحث عن بدائل أخرى يكفلها القانون والنظم والأعراف المعمول بها”.
وأضاف أن “هذه الوضعية سببت موتا سريريا لقطاع الوكالات، وسببت حالة ارتخاء لدى المشرفين على الأفواج من كل القطاعات في التوجيه الإسلامي وفي الخارجية وفي النقل وغيرها لما تضمنه لهم بغير حق من إرغام المواطنين على التسجيل في أفواجهم، ولعدم إحساسهم بالمنافس الخصوصي” الأمر الذي أد إلى “تدن مزر في خدمة الحجاج”.
وأشار إلى أن الوزارة حين أرادت تغيير هذه الوضعية كان لا بد من العمل على عدة مستويات، أولها تمكين الحاج من حقه في الاختيار بين الخدمة العمومية التي توفرها الدولة والخدمة الخصوصية التي يوفرها القطاع الخاص ممثلا في الوكالات السياحية.
وثانيها كسب ود الحاج من خلال تقديم خدمات متميزة للحجاج عبر الأفواج، أما المستوى الثالث فيتمثل في ضمان حق أصحاب الوكالات في معرفة النسب المخصصة لهم مسبقا وتمكينهم من الدخول في إجراءات تسجيل حجاجهم والتأشير لهم في الوقت المناسب ودون عرقلة”.
وردا على تساؤل البعض: لماذا لا يتم إلزام الوكالات بالأسعار التي حددتها الوزارة لأفواجها باعتبار الوكالات شريكا للوزارة في نقل الحجاج، قال المستشار إن “هذا أمر غير ممكن على الإطلاق ولا يقبله أي قانون ولا منطق، لأن الدولة تقدم خدمات اجتماعية غير ربحية على الإطلاق بل تتحمل كل المصاريف المترتبة على تلك الخدمة بدءا بسفر البعثات وتعويضات الفرق العاملة وتوفير الخدمات الأساسية كالصحة والجوازات وغيرها، وبالتالي فإنها لا تأخذ من الحاج إلا ما يتعلق بصافي مصروفاته الشخصية دون إضافة أية رسوم للخدمات اللازمة أو ضرائب أو أرباح.
أما القطاع الخصوصي فله طبيعة أخرى مشروعة تماما تسمى الاستثمار يقدم بموجبها خدمات معينة ويتقاضى عليها التكاليف الصافية للحاج مضافا إليها حصتها من التكلفة الناتجة عن تلك الخدمات ومصاريفها، وهو أيضا يبتغي من وراء ذلك ربحا ماديا مشروعا يتناسب وطبيعة الخدمة من جهة ومستوى المخاطرة برأس المال الذي وفر به عقود السكن والنقل وأسفار المناديب وغيرها”.
وأضاف أن القطاع الخاص “لا يمكن أن يساوي الدولة في الأسعار أو ينافسها فيها، ولكن بالمقابل يجب أن يقدم خدمات أكثر تميزا حتى تكون المنافسة في الخدمة لا في الثمن”.
وأشار إلى أنه “محكوم بمنافسة داخلية في الأسعار بين الوكالات ذاتها تحد لا محالة من التفاحش في الغلاء طالما أنه لا توجد جهة واحدة تحتكر الخدمة مما يعني أن أمام الحاج عدة خيارات متنوعة”.
وفي رده على سؤال “لماذا لا تبقي الوزارة الباب مفتوحا أمام الراغبين في الحج عبر أفواجها، حتى تكتمل حصة موريتانيا من الحجاجہ قال “إن عملا معقدا كالحج يتطلب بالضرورة تحضيرا مبكرا، وهذا ما نحاول مرة بعد مرة أن نلتزم به ونكرسه”، مبرزا أن الترتيبات تقتضي أن “تحدد الدولة النسبة التي ستباشر بعثتها تنظيمها، والنسبة التي ستنظمها من خلال وكالات أو شركات سياحية معتمدة لديها”.
وأضاف أنه “لا مانع هنا من الناحيتين القانونية والإجرائية أن تحتكر أي دولة حصتها لبعثتها الرسمية خاصة، أو توكلها بالكامل إلى القطاع الخاص، أو تجري فيها محاصصة بأي طريقة تراها مناسبة، لكن الإشكال المطروح أمامنا هو إشكال عملي ميداني، فالدولة حين ترفع حصتها مثلا إلى ألفي حاج وتبرم عقودا للسكن والنقل على ذلك الأساس، ثم لا تجد من الراغبين في أفواجها إلا 1500 مثلا، فإن ذلك يعني بالضرورة أن تتكبد ميزانيتها خسارة تقدر بنحو 900 ألف أوقية عن كل حاج أي ما يقارب 450 مليون أوقية دفعة واحدة.
ولهذا فلا بد من الاعتماد على مؤشرات واضحة في العدد المتوقع توفره من الحجاج، وعلى هذا الأساس رفعت الوزارة حصتها هذا العام بفوج كامل عن العام الماضي، بناء على الإقبال المذكور ولا مانع أن تضيف فوجا آخر في العام القابل بناء على ما لوحظ من إقبال هذا العام.
وهذا طبعا دون أن تلغي حصة الوكالات التي تعتبر شريكا مهما يجب أن يقدم خدمات لأصناف من الحجاج قد لا تناسبهم أفواج الدولة، إما لأنهم يريدون الحج في مدة أقل كأسبوعين مثلا بدل أربعة أسابيع المعتادة في الأفواج، أو لأنهم يريدون المرور ببلدان أخرى أثناء ذهابهم إلى الحج أو في عودتهم منه، أو لأنهم يريدون خدمات متميزة لا تناسب الطبقة الوسطى التي تستهدفها الدولة إلى غير ذلك من الأمور، كل ذلك فضلا عما أشرنا إليه من ضرورة وجود منافس خصوصي لأي خدمة عمومية حتى لا تظل وحيدة في الميدان تفعل ما تشاء”.
وحول ما إذا كان باستطاعة الوزارة استيعاب أكثر من 1800 حاج، قال إن بإمكان الدولة “استيعاب الحصة كاملة إذا استمر الطلب على هذا النحو، لكن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بالتدرج الواعي، ودون سد الباب أمام الراغبين في خدمات أخرى كتلك التي يفترض أن يقدمها القطاع الخاص”.
ومن جانبها اعتبرت وكالات الحج أن الخدمات التي تقدمها والتكاليف التي تتحملها تفرض أن تكون أسعاره أعلى من أسعار أفواج وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي.
وقال السيد الشيخ ولد ادبيهي، الأمين العام لوكالات الحج والعمرة، إن الوكالات ترسل حجاجها عبر رحلات دولية أسعارها محددة سلفا، وتتعاطى مع خصوصيين لتوفير أماكن الإقامة في الديار المقدسة، كما تقدم للحاج أكثر من خيار في خط سيره ذهابا وإيابا، ومن ثم فإن هذا يحمله أعباء إضافية، لا تتحملها الدولة التي تؤجر طائرات خاصة بنقل الحجاج وتلتزم بخط سير واحد وفي وقت هي من يحدده، كما أنها لا تقوم بكل ذلك بصفتها مسؤولة عن تقديم خدمة عمومية لا تتوخى الربح و لا تخشى الخسارة.
واعتبر أن الفرق بين أسعار الوكالات وأسعار الأفواج من طرف الوزارة معقول جدا إذا ما وضعنا كل ذلك في الحسبان.
مقابلة مع الدكتور محمد سالم بن عبد الحي بن دودو، المستشار المكلف بالحج بالوزارة