بقلم/ المختار السالم:
elmoctar@gmail.com
دائما هي الشموع لا تعمر كثيرا في الصحراء كما يقولون.. وهكذا ترحل أيقونتها الوطنية فجأة، ليجد سكين الحزن الداكن مكانا في قلوبنا المتعبة “ينغرس” فيه عميقا..
فاتحا شلالات الألم.
إنها ديمي المعجزة الصوتية الخالدة أبدا.. ديمي الفنانة الاستثنائية، والموهبة الفذة، والصوت الأسطوري، والإنسانة الأخلاقية.. الحلقة المميزة في سلسلة ذهبية من “ديمي.. إلى سدوم ولد أنجرتو”..
في سديم ذلك المحيط اللامتناهي من الإبداع أوجدت تلك السلسة الذهبية شذى للتاريخ الوطني، عايشت أجياله وفرسانه في مدونة نغمية عذبة، وشكلت مكونا موسيقيا في تاريخنا الغنائي، ونحن في هذه الصحراء نتلو تقاسيم “تغريبتنا الهلالية” منذ ألف سنة ويزيد..
دائما يحب الحزن أن يفاجئني، فيراكم أثقال الهم والوجع.. لا يكتفي الحزن اليوم بإغلاق نوافذنا، وتلويث هوائنا، بل يحيطنا بأسواره الحنظلية، محولا سمرة الرمل، وضفائر النخيل إلى جزء من هذه اللوحة البكائية المعلقة بجدار أنفسنا.
إنها اللحظة المتواطئة للتجديف في مياه الحزن، والسير على شوك الألم،.. حيث نفقد حبيبة الحبيبات، ونغمة النغمات..
لقد نبت الحزن في البر والبحر، حزن على الشمعة التي أضاءت حياتنا، ثم رحلت ككل الفراشات حين ترحل..
حين تعود الذاكرة إلى الثمانينات.. كان ذلك في حي “السطارة” بروصو.. كنا نتلهف لوصول أحدث شريط من ديمي قادم مع مسافر من نواكشوط.. وصل الشريط.. وتحلقت شلة الرفاق حول آلة التسجيل.. كان الصديق الذي سيصبح لاحقا مسؤولا مهما يوقف آلة التسجيل من حين لآخر ونحن في زوبعة جراء إسكاته للشريط، فينظر إلينا قائلا “ديمي ش اكبير”.. ثم يضغط على الزر ليواصل الشريط شلاله الطربي المتفرد… سرعان ما ارتبطت هذه الكلمة (ديمي ش اكبير) بذكر هذه الفنانة العظيمة في كل المواقف..
كانت ديمي “شيئا كبيرا” في كل شيء.. كانت الصوت الموحد لشعبنا وشعوب المنطقة، وكانت فنانة وطنية، وقومية إنسانية تحترم الجميع وتقدرهم.
في وقت لاحق قابلتها في نواكشوط، وقد اكتشفت على الفور أن هذه الإنسانة كومة من الأخلاق والتواضع والاحترام العميق لكل الناس.. كانت بشوشة وكريمة ومضيافة.. واكتشفت كم كانت تقدر الكلمة الجميلة.. لم تكن ديمي صوتا جميلا يبتلع الشعر عن لا وعي، بل كانت ناقدة واعية تصل إلى جوهر الكلمة الشعرية وتبعث مكامنها على طريقتها الخاصة.. وكانت مع ذلك إنسانة ذكية وحنونة..
جاءت من واحات “تكانت” ومن جبالها الشامخات لترسم خريطة صوتية للوطن، الوطن موريتانيا الذي أحبته ديمي وأعطته من فؤادها، وخلدته بصوتها وأناملها في بانوراما غنائية نادرة… ومن ينسى دموعها وهي تغني لموريتانيا في آخر ذكرى لعيد الاستقلال الوطني.
خاضت ديمي رحلة دافئة بين والديها سدوم ومنينه، ومع سيمالي وسدوم والخليفة.. وآخرين.. كانت ديمي إشارة سر التألق والنجاح.. كانت الإنسانة الموريتانية الصحراوية التي تحمل رسالة هذا الإنسان الشنقيطي الشغوف بالعظمة والخلود وحسن السيرة…
كانت الخطوات الأولى في مرابع “احسي المقطع”، و”حفر المجرية” و”تشنات” و”الكروميات” و”الرشيد”، و”اشوي”، و”تيمجيجات”، و”أم الطبول”، و”أشاريم”.. قبل أن تدخل العواصم الكبيرة قاموس الخطو الموقع..
من نواكشوط إلى تونس إلى دكار وباريس ولندن، وعواصم أخرى ثم الرباط.. كنا نرافق أيقونتنا الفنية الغالية وهي تخترق حدود العالمية بالفن الموريتاني، رغم كل المصاعب وكل المتاعب.
كانت حنجرة ديمي أفضل دار نشر في غرب إفريقيا لأشعار نزار قباني وشرف الدين البصيري، وولد عبد القادر، وشعراء آخرين..
ديمي ملحمة للشدو والحداء، قصة تبدأ من حيث تنتهي، وتر عزف نغم الخلود، وردة زكية في الصحراء الكبرى، واحة غنائية معطاء، شمس للوجدان والذاكرة الشنقيطية…
إنها ديمي.. ذلك الشيء الكبير في حياتنا وذاتنا.. فليتغمدها الله بواسع رحمته.
الموضوع السابق