بقلم: سيدي ولد أب
في المثل إذا كان الكلام فضة يكون السكوت ذهبا، وعلى هدي من ذلك سنتصامم- ولو لبعض الوقت- ما وسعنا الصبر عن التلاسن ونقاشات الصراخ والصخب وجلبة مفاوضات الهواء الطلق وقارعة الطريق، ونجرب قليلا الصوم والتعبير بالرمز والإشارة، ومشاركة ومشاطرة إخوة لنا يمثلون شريحة واسعة من مجتمعنا يلفها النسيان، ويجرحها جهلنا المكابر بعوالمها المفعمة بالجمال والصفاء الروحي.
تلكم هي شريحة الصم، وذلك هو عالمها الزاخر بمداءات من العطاء والإبداع لا حدود لروعتها وثرائها، يتقاصر دونها من نطلق عليهم نحن تجوزا اسم “الأصحاء”، ولا يبلغون معشار اتقاد وتوثب إرادة هذه الشريحة في الإقبال على الحياة ونشدان الفعل والعطاء واثبات الذات، رغم ما يخيل لنا من رهبة صمتها وتبتلها في محراب من الانغلاق والانعزال، واكتفائها الذاتي بعالمها الداخلي تناجيه وتسر إليه بنظرتها وتصورها عن هذه الدنيا التي لا تفقه كثيرا مما تقول.
خواطر وملاحظات ترسخت قناعة عندي، بعد أن أتيحت لي فرصة التواصل بشكل صحيح ودون حجاب- وربما لأول مرة- مع الصم، من خلال لقاء جمعني وبعض الزملاء بأفراد من هذه الشريحة،أزاح عن عيني غشاوة نسجتها صورة نمطية مشوهة عن فئة ظلمها المجتمع ظلما كبيرا، ولم يشفع لها إصرارها على التميز والعطاء، رغم وجودها في مناخ اجتماعي غير مساعد، مازال الكثير منه ينظر إلى الصم كمعاقين، يستدرون العطف والحنان، ويبخل عليهم بما يرتضون ويريدون هم لأنفسهم من منحهم الفرصة لاثبات الوجود، وتصحيح مفاهيم مغلوطة أكل عليها الدهر وشرب، وتجاوزتها تطورات الزمن المتلاحقة.
بل قد أتجاسر- مدفوعا بعمق الأفكار ووجاهة الآراء التي طرحها بعض ممثلي هذه الشريحة، خلال سانحتي تلك- على القول بأن بقية المجتمع ممن يسمع وينطق ربما يكون بحاجة إلى إسهاماتها الإبداعية وترسم خطى نجاحات النابغين منها، والاهتداء بصبرهم على بلوغ خط النهاية، واتخاذهم المثل والقدوة في قدرة الإنسان على تحدي المعوقات وتخطي الحواجز مهما عظمت وأوهمته ظلالها بضآلته أمامها. ثم إن سجل الرافلين في نعمة صحة السمع عندنا من النجاح والتميز لا يكاد يكون شيئا مذكورا، إذا وضع في ميزان الربح والخسارة الذي يتخذه الكثير منا بوصلة يهتدي ويسترشد بها في كل صغيرة وكبيرة وحقير ونقير، حتى نعير غيرنا بما فشلنا عن تحقيقه بحواسنا الخمس.
فحاسة السمع لدينا دائما تستحث اللسان ليكون صدى لكل ما تلتقطه طبلة الأذن ليترجمه إلى نطق وكلام في حالات عديدة يكون غير مفيد، زبد يذهب جفاء ولا ينفع الناس في أمور دينهم ودنياهم، بل قد يكون دليلا إلى الجلبة والصراخ العبثي، القمين بأن نسميه “حوار الطرشان”، لأنه بالفعل هو من يؤدي هذا المعنى الذي يحيل إليه مثل كهذا، يعكس الصورة النمطية المشوهة في ثقافتنا العربية عن الصمم، وليس حوار لغة الإشارة الذي جمع في نظري الحسنيين، جمال توظيف الإشارة، التي تمثل على الأقل من وجهة نظري المتواضعة فنا قائما بذاته، وروعة إيحاء دلالة توظيف الرمز كوسيلة للتخاطب والتواصل.
لذلك نعتقد أن إعادة النظر في كل موروث سوء الفهم والنظرة المريبة لشريحة الصم والمواقف والأحكام المسبقة وغير المنصفة في حقها والمبنية على الجهل، بات من الأولويات التي يجدر بنخب المجتمع وقادة الرأي فيه التصدي له وإشهاره قضية يتبناها الجميع ويتنافس في الترويج لها.
وسيكون ذلك ممكنا ومتاحا إذا انطلقنا من حقيقة أن المرجعية لسوء فهمنا هذا تظل دائما كما كانت تشبثنا بمفاهيم مغلوطة عن هذه الشريحة.
فلندع جانبا معارف غير مفيدة من هذا النوع، ولنعطيها فرصة الاستفادة من حقها الطبيعي في التقاعد، ولنخلص عقولنا وأفكارنا من سلطانها المستبد وتأطيرها لتعاطينا مع أناس عاديين مثلنا تماما،يفيضون مشاعر وأحاسيس نبيلة لم يعفرها الصراخ غير المحتشم، نصر على حشرهم في زاوية الإعاقة والمعاقين، ونعتقد بذلك أننا نحسن صنعا، ونبالغ في مواساتهم، ونحن نمعن في الإساءة إليهم ونواصل السباحة ضد تيار عالمي، تخطى بعيدا مثل هذه النقاشات، وأصبح يتكلم لغة الإشارة ولا يجد غضاضة في التعبير والتحاور والكلام رمزا، أو ليس اللبيب تكفيه الإشارة.. نعتقد ذلك.