أشرف فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، اليوم الاثنين، بالمركز الدولي للمؤتمرات «المختار ولد داداه» في نواكشوط، على افتتاح فعاليات الدورة التاسعة والثلاثين من المؤتمر الدولي للسيرة النبوية، الذي ينظمه التجمع الثقافي الإسلامي في موريتانيا وغرب إفريقيا، تحت عنوان: “الهدي النبوي في إدارة التنوع والاختلاف وتعزيز المشتركات”.
ويأتي تنظيم هذا المؤتمر، الذي يشكل موعدا سنويا للتعريف بالسيرة النبوية الشريفة واستحضار قيمها ومقاصدها، في إطار الجهود الرامية إلى ترسيخ الهوية الإسلامية وتحـصين الأجيال، وتعزيز التواصل والتعاون بين العلماء والباحثين والمثقفين في موريتانيا ونظرائهم في العالمين العربي والإسلامي وإفريقيا.
كما تمثل هذه الدورة امتدادا للدورات السابقة في دعم الإشعاع الثقافي لموريتانيا، وفتح آفاق أوسع للتبادل العلمي والفكري، بما يعزز قيم الوسطية والاعتدال والتعايش، ويكرس ثقافة الحوار والتفاهم بين مختلف مكونات المجتمعات.
ويعكس اختيار موضوع الدورة الحالية اهتماما باستلهام التجربة النبوية في إدارة قضايا التنوع والاختلاف، وتعزيز المشتركات التي تشكل أساسا للتواصل والتعاون وبناء مجتمعات متماسكة. كما يسعى المؤتمر إلى إبراز ما تزخر به السيرة النبوية من قيم ومبادئ قادرة على الإسهام في معالجة عدد من التحديات المعاصرة، من خلال ترسيخ الحوار، واحترام الخصوصيات، وتعزيز التفاهم، والبحث عن القواسم المشتركة التي تجمع مختلف المكونات.
وأجمع المتدخلون في الدورة على أهمية استلهام السيرة النبوية في معالجة قضايا التنوع والاختلاف، وترسيخ قيم الحوار والتسامح والاعتدال، وتعزيز الوحدة والتعايش داخل المجتمعات.
وفي هذا السياق، أشاد رئيس التجمع الثقافي الإسلامي في موريتانيا وغرب إفريقيا، الشيخ محمد الحافظ النحوي، بما يوليه فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، من اهتمام بالعلم والعلماء، معربا عن شكره وتقديره لرعايته هذا المؤتمر، الذي يشكل منبرا للتعريف بالسيرة النبوية واستحضار النموذج الذي أراده الله تعالى هداية للإنسان في عقيدته وعبادته وأخلاقه وأسرته ومجتمعه وعلاقاته بالآخرين.
وأكد الشيخ محمد الحافظ النحوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علّم الأمة أن الاختلاف لا يعني الشقاق، وأن التنوع لا يقود بالضرورة إلى الفرقة، مبرزا أن القيم والمصالح والمشتركات التي تجمع الناس أوسع من عوامل التباين التي قد تفرقهم.
وأوضح أن تنامي أسباب الاستقطاب واتساع دوائر الخصومة، وتحول الاختلاف في الرأي أحيانا إلى سبب للتدابر والتباغض، يجعل الأمة في حاجة متزايدة إلى استحضار الهدي النبوي القائم على الرحمة والحكمة والعدل والإنصاف والحوار وحفظ الكرامة والتعاون على البر والخير.
وأشار إلى أن موريتانيا، بما تتميز به من رسوخ علمي واعتدال ديني وتنوع ثقافي، وما راكمه علماؤها عبر القرون من إشعاع علمي وروحي تجاوز حدود البلاد، مؤهلة لأن تكون منابرها العلمية فضاءات لترسيخ هذه القيم وتعزيزها.
وقال إن التجمع الثقافي الإسلامي، من خلال رفع راية السيرة النبوية في هذا المؤتمر، يرفع معها راية الوحدة الوطنية والتآخي والتسامح والاعتدال، ويواصل جهوده في مواجهة خطاب الكراهية ونبذ العنف والغلو والتطرف، مؤكدا أن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم قادرة على جمع القلوب على الخير، وتحويل الاختلاف إلى مجال للتعارف، والتنوع إلى مصدر للإثراء، والمشتركات إلى جسور للتواصل.
من جانبه، أعرب وزير الدولة وعميد الجامع الأعظم بالجزائر، الشيخ محمد المأمون القاسمي، عن بالغ تقديره لفخامة رئيس الجمهورية لرعايته السامية للمؤتمر، مشيرا إلى أن هذه الرعاية تعكس امتداد موريتانيا في ميراثها العريق في توقير العلم وإكرام أهله، وتؤكد مكانتها في خدمة الإسلام وصون مرجعيته ونشر قيم الوسطية والاعتدال.
وقال إن انعقاد المؤتمر في موريتانيا يحمل دلالة خاصة، باعتبار أن أرض شنقيط حافظت للعلم على مكانته، وللمحظرة على رسالتها، وللعالم على قدره، وجعلت من المعرفة جسرا للتواصل بين مختلف أقطار الأمة.
وأضاف أن وشائج الأخوة ووحدة الانتماء وتواصل العلم والعلماء بين الجزائر وموريتانيا تجعل من هذا اللقاء مناسبة لتجديد عهد راسخ، واستمرارا لجسر علمي وروحي موصول بين البلدين.
وأكد أن موضوع المؤتمر يأتي في سياق عالمي تتزايد فيه الحاجة إلى الحكمة في إدارة الاختلاف وصون التنوع، والعودة إلى المشترك الإنساني الذي تحفظ به الكرامة ويستقيم به العمران.
وأوضح أن الاختلاف سنة من سنن الله في خلقه، وأن تنوع البشر ينبغي أن يكون سبيلا إلى التعارف، مشيرا إلى أن الهدي النبوي في بناء الاجتماع الإنساني يقوم على الاعتراف بالتنوع، وصيانة الحقوق، والوفاء بالعهود، وإصلاح ذات البين، وحسن تقدير المصالح والمآلات.
بدوره، أشاد الشيخ عبد الملك أنياس، الأمين العام لجائزة القرآن الكريم العالمية، بالرعاية السامية لفخامة رئيس الجمهورية لأعمال المؤتمر، مبرزا المكانة التي تحتلها موريتانيا في تعزيز السلم والأمن والاستقرار، ونشر القيم الفاضلة وترسيخ حسن الجوار.
ونوه بالنجاح الذي حققه المؤتمر على مدى تسع وثلاثين دورة، مؤكدا أنه أصبح تظاهرة علمية تجمع العلماء والمفكرين من مختلف أنحاء العالم، لاستلهام السيرة النبوية في معالجة قضايا العصر والتحديات المطروحة أمام المجتمعات.
من جهته، ثمّن الشيخ مصطفى زمنهي، رئيس مجلس علمي وممثل وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، تنظيم المؤتمر، متمنيا أن يحقق أهدافه ومقاصده، وأن يسهم في تعزيز روابط الأخوة بين دول العالم الإسلامي، ولا سيما بين موريتانيا والمملكة المغربية، وفق رؤية قائدي البلدين، فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني وجلالة الملك محمد السادس.
وأوضح أن اجتماع العلماء والباحثين في موريتانيا، بلاد العلم والعلماء، لتدارس السيرة النبوية الشريفة، يمثل دليلا على تشبث هذه البلاد بسيرة خير العباد وهديه.
وأكد أن الأمة الإسلامية اليوم بحاجة إلى مزيد من معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وتدارسها واستلهام هديه، منوها بما بذله قادة العالم الإسلامي وعلماؤه من جهود إصلاحية متضافرة في سبيل بناء الإنسان وتحقيق العمران وتجسيد قيم القرآن الكريم.
وكان الأمين العام لهيئة العلماء الموريتانيين، السيد الشيخ ولد صالح، قد أكد أن الأمة بحاجة إلى الانتقال بمفهوم المحبة والنصرة من مجرد رد الفعل إلى بناء الفعل، موضحا أن الدفاع عن جناب النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يتكامل مع التعريف بمقامه ونشر سيرته وهديه والاقتداء بأخلاقه.
وأشار إلى أن حضور فخامة رئيس الجمهورية للأنشطة الإسلامية وحرصه على حفظ الهوية الإسلامية وحمايتها، باعتبارها الضمير الجمعي الناظم للأمة، يمثلان دليلا على الوفاء لثوابت الأمة وتاريخها المجيد.
أما مستشار الرئيس الشيشاني، الشيخ آدم شهيدوف، فأعرب عن خالص شكره وتقديره لفخامة رئيس الجمهورية على رعايته السامية للمؤتمر، وعلى ما يوليه من عناية بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم ونشر سيرته العطرة، وحرص على محاربة الغلو والتطرف وصون الثوابت التي قامت عليها البلاد.
وقال إن هذه العناية تؤكد أن موريتانيا، قيادة وشعبا، ما تزال وفية لرسالتها، وحارسة لثغور العلم والإيمان.
وأضاف أن الحديث عن موريتانيا، بلاد شنقيط، هو حديث عن أرض جعلها الله منارة للعلم وحاضنة للقرآن، حمل علماؤها العلم الشرعي ولسان العرب إلى مختلف حواضر الإسلام، حتى بلغ صيت المحظرة الشنقيطية أصقاع الأرض، وأصبح حفظ الشناقطة للمتون والدواوين والمعاجم وتناقلهم العلم بالسند المتصل مضربا للمثل في الأوساط العلمية.
وأكد أن التجمع الثقافي الإسلامي جعل من نواكشوط منبرا عالميا للتعريف بسيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، مشيرا إلى أن استمرار هذا المؤتمر عبر تسعة وثلاثين دورة يمثل شاهدا على همة متواصلة ووفاء راسخ لخدمة السيرة النبوية ونشر قيمها.
ويتضمن برنامج المؤتمر جلسات علمية متخصصة تتناول جملة من القضايا المرتبطة بموضوع الدورة، من أبرزها التنوع البشري والديني والاجتماعي في السنة النبوية، ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع اختلاف الناس وتعدد مشاربهم، وفقه التعارف والتعايش في السنة النبوية، وإدارة التنوع داخل المجتمع الإسلامي وخارجه.
كما تبحث الجلسات مفهوم الاختلاف وضوابطه في السنة النبوية، وأدب الاختلاف والحوار في الهدي النبوي، وسبل إدارة الخلاف وتحويله من عامل للفرقة إلى مجال للتكامل، إلى جانب نماذج نبوية في معالجة الاختلافات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وسبل مواجهة الغلو والتطرف من خلال المنهج النبوي.
ويتناول المؤتمر كذلك عددا من المحاور ذات الصلة بالمشتركات الإنسانية، من بينها المشتركات الإنسانية في الخطاب النبوي، وتعزيز الأخوة والوحدة في السنة المشرفة، وبناء جسور التواصل بين مكونات المجتمع انطلاقا من الهدي النبوي، وصيانة المقدسات والقيم المشتركة.
وجرى افتتاح فعاليات المؤتمر بحضور معالي الوزير الأول، السيد المختار ولد أجاي، ورئيس الجمعية الوطنية، ورئيس مؤسسة المعارضة الديمقراطية، والوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية، والوزير المكلف بديوان رئيس الجمهورية، والوزيرين المستشارين برئاسة الجمهورية، وأعضاء الحكومة، إلى جانب والي نواكشوط الغربية، وعمدة بلدية تفرغ زينه، وعدد من القادة العسكريين والأمنيين، وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى موريتانيا.