في الأيام الأخيرة، تداولت بعض وسائل الإعلام الأجنبية ادعاءات مغرضة تزعم بأن موريتانيا تشكل نقطة عبور لأسلحة قادمة من أوكرانيا في طريقها إلى جماعات مسلّحة تنشط في منطقة الساحل. وهي المزاعم التي لا تستند على أي دليل، غير أن تكرارها يستوجب توضيحاً يرفع كل التباس محتمل.
تؤكد الجمهورية الإسلامية الموريتانية رفضها القاطع لهذه المزاعم. والاتهامات غير المؤسسة، فمنذ أكثر من عقد من الزمن، انتهجت بلادنا استراتيجية راسخة للوقاية من التطرّف العنيف ولمكافحته، وهو ما مكّنها من تجنّب الانزلاقات الأمنية التي عرفتها المنطقة، وجعل من موريتانيا نموذجاً يُحتذى به. وتقوم هذه الاستراتيجية على قناعة راسخة باستحالة فصل أمن موريتانيا الداخلي عن أمن جوارها.
وهذا الترابط الذي يمليه، لدى الحكومة الموريتانية، واجب التضامن وتفرضه الواقعية. إذ تعتبر الجمهورية الإسلامية الموريتانية أن زعزعة استقرار أي جار أو شيوع الفوضى به ستكون لها انعكاساتها المحلية عليها إن عاجلا أو آجلا.
وقد أثبتت التجارب أن اهتزاز أمن دولة ما سرعان ما تتجاوز خطوط تصدعه حدودها ليطال جيرانها.
وانطلاقاً من ذلك، تَرسّخ تمسّك موريتانيا بمفهوم الأمن الجماعي في منطقة الساحل، حيث دأبت، بصمت وبعيداً عن الاستعراض الإعلامي، على مؤازرة أشقائها في الظروف الصعبة وفترات الاضطراب بالدعم اللوجستي، وتبادل المعلومات الحسّاسة، والوساطات الهادئة مؤثرة دائما ، بحكم تقاليدها، الصمت على الضجيج الإعلامي الصاخب.
وإلى جانب هذا البعد الإقليمي، ظلت الدبلوماسية الموريتانية تتحرك بخط ثابت يتسم بالاستمرارية. وحافظت بلادنا في ظرف دولي تطبعه التحولات وإعادة التموضعات على مبادئ راسخة: أساسها التمسك بالتعاون المتعدد الأطراف، والالتزام الصارم بميثاق الأمم المتحدة، وتغليب الحلول السلمية للنزاعات، ورفض الانخراط في صراعات المحاور والتجاذبات الجيوسياسية.
ويجسد الموقف من النزاع الروسي – الأوكراني هذه المقاربة المتّسقة. ففي الجمعية العامة للأمم المتحدة، صوّتت موريتانيا لصالح القرار الذي يدين المساس بسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، وفي الوقت ذاته عارضت تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان، إيماناً منها بأن العقوبات وسياسات العزل لا تُنهي الأزمات بل تطيل أمدها. وقد رأى البعض في هذا الموقف ازدواجية، فيما اعتبره آخرون وفاءً للمبادئ. أما موريتانيا فتراه وضوحاً في التفكير: فالعلاقات مع موسكو تعود إلى عام 1965، بينما العلاقات مع كييف حديثة ومحدودة.
إن الخيارات الدبلوماسية لا تمليها اعتبارات المساعدات الواردة من هذا الطرف أو ذاك، أو المعدومة كما في حالة موريتانيا، بل يمليها عمق الروابط التاريخية واتساق المواقف المبدئية.
ومع شركائها في الساحل، ظلّ هذا النهج قائماً. فقد جرى حوار صريح مع السلطات المالية التي أبدت تفهّماً لطبيعة الموقف الموريتاني، القائم على قناعة راسخة لا تتبدل مفادها أن صون استقرار أي دولة في المنطقة هو في جوهره حماية لمجمل فضاء الساحل من تداعيات الانهيار المتسلسل.
وعليه، فإن موريتانيا، لا تواجه هذه المزاعم الأخيرة، بالاستنكار فحسب بقدر ما تواجهها كذلك بالثبات على خطها: الموسوم بالاقتصاد في الكلام والتوسع في الأفعال، والالتزام الدائم بالمبادئ في وضوح وثبات.
فقد اختارت موريتانيا. في منطقة تتقاذفها الأزمات والتقلبات، نهجاً متفرّداً: قوامه دبلوماسية قائمة على التحفّظ في الأسلوب، والصلابة في الالتزام بالمبدأ، و الإيمان الراسخ بأن الاستقرار ليس بالمسؤولية التي تناط بآحاد الدول منفردة بل هو دائما مسؤولية جماعية مشتركة.