افتتاحيات

افتتاحية

نواكشوط,  27/11/2020
تنقضي اليوم ستون عاما على استقلال البلاد.. ستون عاما من الجهد والبذل والتضحية.. ستون عاما من عمر موريتانيا، الدولة التي أراد لها ثلة من البناة الأولين، أن تكون جامعة لا مفرقة، عصرية لا متخلفة أصيلة لا متنكرة..

إن التقييم الموضوعي والمنصف لما حققته البلاد خلال العقود الستة الماضية، يقتضي منا استحضار الأوقات العصيبة التي صاحبت نشأة الدولة، وحينها، سنشعر بانتمائنا لدولة موحدة، لها شخصيتها وهويتها الحضارية وسيادتها الكاملة وعلاقاتها المتميزة..

وهاهي السنة المنقضية من مأمورية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، تفتح آمالا عريضة لإعادة تأسيس، لا تخطئها إلا عيون المشككين والمتشائمين والمكابرين..

لقد أصبح الإجماع الوطني حقيقة لا مراء فيها، وكيف لا والقناعة راسخة بأن رصّ الصفوف ممكن وضروري باعتباره، العامل الأساسي في تحقيق ما نصبو إليه من نماء ورخاء وإخاء وعدل.

إن المرحلة تفرض علينا التعاضد والتكاتف والتآزر وحتى التعاطف، من أجل أن يتعزز الشعور بوحدة المصير.

لقد حان الوقت لبلورة مشروع عقد مدني مبني على خصائص وقيم الأسلوب الجديد للحكامة الذي يعتمد الشفافية في التسيير والانفتاح على المجتمع والتجاوب مع تطلعات المواطن مع الاستقامة في المنهج والإنصاف في التعاطي مع الشأن العام.

كانت بداية الحكامة الجديدة، بتقوية الدولة العصرية وجعلها في خدمة المواطن. فكان فصل السلطات المعلن عنه، بوصفه خيارا ثابتا لا يقبل التأجيل. وليس استحداث لجنة برلمانية للتحقيق في جوانب أساسية من تسيير المال العام وترك ملف التحقيق يعالج حسب المسطرة المنصوص عليها في قوانين البلد، ليس إلا تجليا من تجليات هذه الإرادة الواعية بضرورة نشر العدل وإعادة الهيبة والمصداقية لدولة حاضنة للجميع.

نحن فعلا دولة تحيط بها بؤر من التوتر المخيف.. لكن..

موريتانيا اليوم تعتبر عاملا للاستقرار وحفظ السلام في الساحل والصحراء.. وحتى في أراض إفريقية بعيدة من محيطها القريب. ووجود وحدات لحفظ السلام في عدد من مناطق التوتر في إفريقيا، يدل على الثقة التي تحظى بها بلادنا.

إن احتضان أول قمة في ما بعد جائحة الكوفيد بين دول الساحل وشركائهم في نواكشوط شهر يوليو الماضي، شكل هو الآخر حدثا مميزا في التعاطي الدبلوماسي الجديد.

المؤشرات الاقتصادية واعدة، وتنبئ بمستقبل زاهر حيث أن استرجاع الثقة بيننا والشركاء يمهد الطريق للاستغلال الأمثل لخيرات وموارد البلد. مع أنه علينا أن نستعد لعصر الغاز الذي سيبدأ قريبا.

سيكتب تاريخ المرحلة مثلما تروى القصة.. لكونه سيرة مشروع إعادة تأسيس دولة، تم التفكير فيه بجدية وتعقل حتى رأى النور مع تنصيب الرئيس الجديد وفتح آفاق للبلد و أهله..

ولأننا نعيش اليوم نقطة تحول تعد هي الأهم من الناحية السياسية حيث أنها تؤسس التشاور كفاتحة لتطبيع العملية الديمقراطية، فعلينا أن نستحضر مضامين المشروع المؤسس، لنتمكن من المحافظة على المكاسب وتطويرها من أجل وضع لبنة جديدة في بناء مشروعنا الطموح.. فبناء الدول يتم على أيدي الأجيال ولا يعد بالسنين..

ومن أجل نجاح المشروع، يجب علينا دعم إعادة التأسيس بمجهود هادف إلي استرجاع موريتانيا التي نحلم بها.. ويمر ذلك حتما بإعادة الاعتبار لشعار الجمهورية الإسلامية الموريتانية: شرف-أخاء- عدل، من خلال إعادة الاعتبار للقيم الكفيلة باسترجاع كرامة الإنسان الموريتاني وذلك باستحضار مفهوم الشرف الذي يشكل مفخرة لسكان هذا الحيز ويفرض التعلق بأرض الرجال.

كما أن التعايش، يتطلب إحياء مضمون الإخاء الذي تغذيه إرادة العيش المشترك والتآزر والإنصاف.

ولا وجود لدولة القانون، إلا باحترام المؤسسات والقوانين والنظم المعمول بها، وهي التي تفرض سلطانها على الجميع ليتمكن كل فرد من التمتع بحقوقه دون المساس بحقوق الآخرين.. وهي التي تضمن المساواة بالخضوع التام للقانون..

وبذلك فقط، نؤسس لدولة المواطنة التي تضمن قسطا من العدالة الاجتماعية يكفي لضمان سلامة اللحمة الوطنية..

إن تاريخ موريتانيا يعلمنا أن لهذه الأرض رسالة خالدة، تنبع من أنها كانت مهدا للتبادل و التعايش، في تناغم مع تعدد المشارب والهويات.. وفي ذلك تكمن مركزيتها وقوتها.

لقد كانت موريتانيا المتعددة، هي الرابحة دائما في مسيرتها التاريخية: غانا، المرابطون.. الخ

حتى أوصلنا المسار إلى ميلاد الجمهورية الإسلامية الموريتانية يوم 28 نوفمبر 1960.

الوكالة الموريتانية للأنباء
آخر تحديث : 29/11/2020 17:13:34