نواكشوط,  07/01/2019
لاعلاقة على الإطلاق بين ما نسمعه ونشاهده من إشاعة خطاب الكراهية في مكونات المجتمع، وبين المستوى الزائد عن الحد من حرية التفكير، والرأي والتنظيم، والنشر والإعلام، التي نتطلع إلى أن نجد لها مردودية أكبر على أي صعيد.
أقول هذا الكلام لكي لا يتوهم غبي أن الحجر على تلك الحريات من شأنه إسكات خطاب الكراهية.

إن تاريخ نشأة خطاب الكراهية يحدثنا أنه نشأ في الأصل موجها إلى الدولة لا إلى غيرها. بمعنى أن إنتاج هذه الصناعة كان في الأصل يستهدف إرغام الدولة على شرائها. ففي النظرة التجارية التي تعاملت بها أنظمة سابقة، يتبين بوضوح أن شراء صوتٍ مشاغبٍ واحد أفضل – تجاريا - من تركه ليتكاثر عددا لا متناهيا من الأصوات المشاغبة.

ومن المؤكد أن الدولة - لو كانت منصفة في ذلك الوقت في توزيع المناصب - لما أمكن لخطاب التطرف ابتزازَها وإرغامها على أن تشتريه! "فمن لم يكن من عصابة السارقين لا يُخيفه قصاصو الأثر".

هكذا نشأت الظاهرة، كما تنشأ كل الظواهر، في البداية على هامش غيرها، ثم لا تلبث أن تصبح "كيانا" مستقلا.

متطرف صائح جديد يخلُف متطرفا قديما باع بضاعته وسكت.. لكن خلافة البائع القديم أصبحت لاحقا محل تنافس بين أكثر من مترشح للخلافة. ومن هذه النقطة نشأ التنافس على الشعبية التي أصبحت - لأول مرة - مصدرا للأحقية في الخلافة، بقدر ما هي – وهذا جديد أيضا – عامل ترجيح لدى الزبون المشتري وهو الدولة. وهكذا أصبح لإيديولوجيا الكراهية أتباع ومعتنقون.

يتعاطى هذه الإيديولوجيا ثلاثة أصناف من الناس:
صنف يتعاطاها كالمدمن على حقنته اليومية من المخدرات، وبقدر ما يصعب على المدمن الإقلاع، كذلك يصعب عليهم. وهذا الصنف قليل العدد، وقليل التأثير أيضا.

أما الصنف الثاني، وتستطيع أن تسميهم "ذئاب السياسة" أو مجرميها، العديمي الضمائر والأخلاق القادرين بمنتهى الأنانية على "شراء" ما يرونه مصلحتهم مقابل شقاء الجميع.
إنهم تجار "التطرف": يتطرفون ليبيعوا تطرفهم، ولابد للجديد منهم أن تكون تجارته أرقى – بمعنى أشد تطرفا - لأن الموديل القديم سبق لسلفه أن قبض ثمنه، وتجاوزته الموضة.
هذه هي الحلقة الجهنمية المفرغة، التي نشأ فيها خطاب الكراهية، وتطور من مجرد لفت انتباه الدولة، إلى كسب الأتباع، ثم ليصبح فيما بعد تقليدا ومشروعا يسعى إلى تثبيت وتأصيل نفسه.
الظواهر "الاجتماعية – السياسية" لمن يريد فهمها أو علاجها لا يُنظَر إليها من منظور أخلاقي، لأن ذلك لا يُغير في واقعها شيئا، وإنما ينظر إليها من زاوية الوظيفة التي تؤدّيها. فإذا لم تعد للظاهرة الاجتماعية وظيفة فإنها تختفي تلقائيا.

معنى هذا الكلام أن الدولة، في زمن أنظمة سابقة، وقد تكون لها مبرراتها، شرّعت نوعا جديدا من تجارة المخدرات اسمه "تجارة التطرف".. وعندما أقول "المخدرات" فأنا أقصد أن الطفرة التي تحدثها هذه التجارة في حياة أصحابها هي بالضبط طفرة الصفقة "المخدراتية" الناجحة.

كيف يمكن القضاء على خطاب الكراهية وهو يدر على أصحابه هذا الرخاء، والمكانة الاجتماعية المرموقة؟؟ ومن طرف من؟ من طرف الدولة نفسها!!!.
لا مخرج من هذه الحلقة الجهنمية المفرغة التي لا قرار لها، إلا بخطة تجمع بين الانصاف التام من جهة، والصرامة التي لا مجاملة فيها من الجهة الأخرى.

يجب العمل على إيجاد المتلازمة التي تُفصِح بوضوح عن أنه بقدر ما يتوفر للمواطن من الاستقامة والاعتدال، بقدر ما تتأكد حظوظه في التعيين، وعلى أنه بقدر ما يتمسك بالتطرف والشذوذ، بقدر ما يواجه العزلة والحصار.

إن على صاحب القرار، أيا كان، أن يتخذ قرارا معلناً ومشروحاً بإقالة وإخراج جميع من جرى تعيينهم وإدخالهم إلى أجهزة الدولة من باب الترضية لهم عن خطاب الكراهية، واستبدالهم بنظرائهم من نفس العائلات، ونفس الشرائح، ونفس القبائل لكي لا يجد أحد طريقا للتظلم، ولا ادعاءً بمظلومية.

إن قرارا كهذا يمكن إدخاله في نطاق الإصلاح الإداري والشفافية التي يطالب بها الشركاء والأصدقاء الدوليون، ومنظماتهم.
إن الدولة بقرار كهذا، تستطيع أن تحول خطاب الكراهية من مصدر مدر للمال والجاه، إلى لعنة تطارد أصحابها بالشؤم والنحس.

وأن تحول الاستقامة والاعتدال إلى سعد وبركة على أهلها وعلى الوطن جميعا.
ولكن هل يكفي لمواجهة خطاب الكراهية، تنظيم مسيرة مجتمعية كبرى يشارك فيها أعلى رموز السيادة الوطنية؟

وحدهم كبار السياسيين، والمفكرين، وواضعي الاستراتيجيات ومن في حكمهم من العقلاء، هم الذين يحسنون قراءة هذا النوع من ردات الفعل المجتمعية، ويستجيبون لها دائما بالرجوع إلى أنفسهم يتهمونها بالعجز والتقصير والخطإ في قراءة وفهم المجتمع، ومن ثم يراجعون معلوماتهم ويعيدون فحصها. وترتيبها، ويتأكدون من سلامة التحليلات والاستنتاجات و.

وعكس ذلك "الصنف الثالث" وهم جمهور أتباع خطاب الكراهية، من المعقدين، ومرضى النفوس وحملة أحلام العصافير. الذين يزعمون أنهم لا يخطئون أبدا، ويفسرون الأشياء بما في نفوسهم، لا بما هي الأشياء عليه في نفسها.

من المؤكد أن مثل هذه التظاهرة مفيد جدا، لكنه ينطوي على بعض الأبعاد التي يستحسن الانتباه إليها، ومنها أنه يضع أصحاب خطاب الكراهية على تفاهتهم في كفة، والمجتمع كله بكامل ثقله المادي والمعنوي في الكفة المقابلة.

وهذا بحد ذاته ينطوي على معنىً مّا من معاني "النّديّة" المثقلة بحمولة من الغرور والرضى عن النفس، تحلق بضحاياها في أجواء بعيدة مسحورة بالرومانسية النضالية، والفعل الثوري، حيث تبدو السجون والمحاكم محطات لا بد من الوصول إليها بوصفها حفلات تكريم وتتويج بأكاليل العظمة على هامات الفاتحين!
جميع تصرفاتنا تجاه أصحاب خطاب الكراهية، ينبغي أن تهدف دائما إلى إظهار السوءات القبيحة من الطمع المتأصل والانتهازية الرديئة التي يحاولون إخفاءها وتغطيتها بذلك الخطاب. فكلما زاد انكشاف تلك السوءات كلما زاد عدد الذين يرجعون إلى صوابهم من الأتباع، ولن يكون بعيد اليوم الذي يلتفت فيه أحدهم حول نفسه فلا يرى أحدا.

أحمد بياه
آخر تحديث : 07/01/2019 15:16:12

الشعب

آخر عدد : 11634

فيديو

العملات

15/01/2019 13:11
الشراءالبيع
الدولار35.9836.34
اليورو41.2541.66

افتتاحيات

جوهر وخطر العنصرية الألكترونية
لا شك أننا صُدمنا مُؤخرا من موجة عمت مواقع التواصل الاجتماعي من فيديوهات وتسجيلات مليئة بالكراهية والخبث

معرض الصور

1
أنشطة رئاسية