آدرار,  04/08/2012
في الجزء الشمالي من موريتانيا وعلى بعد حوالي 430 كيلو مترا من العاصمة نواكشوط تقع ولاية آدرار على مساحة تقدر بحوالي 235 ألف كيلومتر مربع بتوزعها الجبل والوادي والسهل.
ويعتبر الجبل أحد أهم التشكيلات الجغرافية في الولاية ..يرافق زائرها معظم أوقات ومحطات رحلته فيها.. يفتح ذراعيه بين الحين والآخر ليأخذه إلى واحة غناء أو نبع ماء زلال تشققت عنه الصخور فانساب صافيا رقراقا .. يروي الأرض والإنسان والنخيل. القطعة الفنية الرائعة المتجسدة فيما نطلق عليه اليوم ولاية آدرار هي قطعة من الأراضي الموريتانية أكتحلت بمداد العلماء واغتسلت بدموع الورعاء وتعطرت بدماء الشهداء.

تاريخ موغل في القدم
فقد شكلت هذه المنطقة بمواقعها المحصنة طبيعيا، ومصادرها المائية القريبة من السطح وموقعها الجغرافي المتميز، مركز جذب للسكان منذ أقدم العصور.
وربما كانت واحدة من أقدم المناطق الموريتانية التي عرفت الحياة البشرية، حيث تدل الرسوم والأدوات الحجرية وطريقة إعداد الكهوف، على قدم اعتمار هذا الإقليم منذ عصور ما قبل التاريخ.
وتظهر الرسوم الحجرية بشكل خاص وجود طريق كان يخترق الجبل شمالا وجنوبا، مما يبرهن على أن التبادل التجاري مع منطقة الشمال الإفريقي، كان معروفا في هذه المنطقة منذ عصور موغلة في القدم.
وتتشكل بدايات العصر التاريخي المبكر في هذه المنطقة مع ظهور حضارات لا تزال بقاياها ماثلة للعيان حتى اليوم في بعض مناطق الولاية.
ومع ازدهار وانتشار التجارة عبر الصحراء، تعزز الدور التاريخي لهذه المنطقة، حيث كانت أهم المسالك والطرق التجارية التي تسلكها القوافل، تعبر منطقة آدرار حسبما يظهر في اللوحة التي رسمها الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري في كتابه (المسالك والممالك)، واشتهر من بين هذه المسالك (طريق اللمتوني)الذي يمر عبر هضبات آدرار.
وكانت مدينة (آزوكي) في مقدمة المراكز التجارية، التي عرفت الإزدهار في هذا التاريخ، كما كانت مدينة (آبير) هي الأخرى مركزا تجاريا هاما في هذه الحقبة التاريخية، إذ يفترض أنها قامت حول أحد الآبار التي حفرها عبد الرحمن بن حبيب لتسهيل حركة القوافل.
وكما عرفت الولاية ازدهارها تجاريا مبكرا، فقد عرفت إلى جانب ذلك نهضة ثقافية مبكرة كذلك ، فمنذ فجر دولة المرابطين ومقدم عبدالله بن ياسين الجزولي، تحولت المراكز التجارية تلك إلى مراكز إشعاع علمي ومعرفي.
فقد كان الإمام الحضرمي – قاضي الدولة المرابطة- ينشر العلم تأليفا وتعليما وحكما في آزوكي حتى توفي سنة 489 للهجرة.
وكان للمراكز الأخرى مثل (كولانه) و(تفتل) و(تامكونه)و(اتفرله)و(آبير)نصيبها الوافر من هذه النهضة الثقافية الأولى .
وهنالك نهضة ثقافية ثانية شهدتها الولاية خلال القرن السادس الهجري، على أيدي تلامذة القاضي عياض، الذين أسسوا سنة (536هج) مدينة وادان، وانتشر العلم انطلاقا منها، قرونا عديدة، في تفاعل حميم مع الحواضر الكبرى في الشمال والجنوب.
وتواصل العطاء الثقافي والإشعاع المعرفي لهذه المنطقة حيث تأسست مدينة شنقيط سنة 660 للهجرة، وغير بعيد من هذا التاريخ، أشعت مدينة (تنيكي) بعلم جم تناقله الرواة.
وإلى جانب هاتين المدينتين تأسست مدينتا (أطار) و(أوجفت)، وشهدت الثقافة تألقا في آدرار، وتفاعلت أخذا وعطاء مع محيطها الوطني والعربي الإسلامي الأرحب.
وانطلقت من هذه المدن حركات نزوح بشري شمل العلماء الذين أوصلوا إشعاعها المعرفي إلى كل أقاليم هذا الوطن.
ووراء ذلك التاريخ وتلك الثقافة انسان نموذجي
وكان وراء هذا التاريخ العريق وتلك النهضة الثقافية المشرفة الإنسان الآدراري ، فهذا الإنسان شكل على مر العصور وعبر مختلف حقب التاريخ نموذجا رائعا للتمسك بالأرض والإيمان بالعمل.
ورغم قساوة الطبيعة، وصعوبة المناخ وحرارة الطقس، استطاع هذا الإنسان بمثابرته وحيويته أن يجعل من هذه المنطقة مركز إشعاع علمي وثقافي .. وملتقى للحضارات والثقافات .. نحت الصخر فبنى وشيد .. وحفر الأرض فزرع وغرس، وحول المناطق القاحلة والجبال إلى جنان خضر.. وتمكن من خلق عشرات الواحات.
وتحالف مع الطبيعة بعد أن قهرها، ليحول هذه المنطقة من التراب الوطني إلى منطقة جذب سياحي، تستقطب سنويا آلاف السياح والباحثين، يتوافدون عليها ليتمتعوا بمناظرها الجميلة، ويستنطقوا مكتباتها الغنية ومدنها التاريخية ومواقعها الأثرية، ليتعرفوا على مكون أساسي من مكونات التاريخ الإنساني.
وبحكم طبيعته المتفتحة وعقليته المبدعة لم يقف الإنسان الآدراري موقفا سلبيا من الحياة ، ولم يتوقف عند حقبة تاريخية بعينها، بل أنه استطاع التكيف مع واقع عصره، أيا كانت طبيعة هذا العصر لتظل ولاية آدرار، كما كانت منطقة تعكس الواقع، وتتفاعل مع محيطها وعالمها، ويظل إنسانها ذلك الإنسان الحيوي المبدع ، العملي، الفاعل في الحياة، المؤمن بدوره فيها.
ومن خلال ذلك تمكنت هذه المنطقة من المحافظة على دورها الوطني المتميز، وهاهي مدنها وقراها اليوم تعج بالحياة ، وتزخر بالنشاط ، وتستقبل زائرها بإطلالة ملؤها الاعتزاز بالماضي والثقة في المستقبل.
آخر تحديث : 04/08/2012 19:06:27

الشعب

آخر عدد : 11551

العملات

18/09/2018 11:49
الشراءالبيع
الدولار35.5935.95
اليورو41.5141.92

مجلة القمة الافريقية

افتتاحيات

بمناسبة القمة ال31 للاتحاد الافريقي كتبت الوكالة الموريتانية للإنباء تحت عنوان: قمة التتويج وتعزيز الشراكة
" مرة أخرى يثبت فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز، من خلال احتضان نواكشوط هذه الأيام للقمة

معرض الصور

1
انطلاق اجتماعات الدورة ال 36 للجنة الممثلين الدائمين للاتحاد الافريقي