نواكشوط,  20/04/2011
رغم الخصوصية الواضحة، التي تتميز بها القصيدة الموريتانية، عن مثيلاتها في الوطن العربي، سواء من حيث البناء أو الغرض، أو الظروف المحيطة بالنص وصاحبه، رغم كل هذا يبقى من الضروري طرح السؤال حول تاريخ التحام النص الشعري الموريتاني، بأخيه العربي.
فالمعروف أن مدادا كثيرا، أهريق من أجل إثبات أسبقية الموريتانيين، إلى بعث الشعر العربي من مرقده، بعد عصور الانحطاط المميتة.
و الملاحظ أن القصيدة الموريتانية، تمسكت بخصوصيتها إلى يومنا هذا، بحيث إن الشعراء الموريتانيين، لم ينظروا إلى الشعر العربي الحديث، ويدخلوا في حوار معه، قبل العام 1966 م تاريخ ظهور أول نص موريتاني من الشعر الحر، وهذا ما جعل تصنيف الشعر الموريتاني مستحيلا.
وهنا تتضح القطيعة الزمنية، التي حدثت بين الشعر في موريتانيا، وشعر ما بعد النهضة في الوطن العربي، ذلك أن مدرسة (البعث) أو الكلاسيكية، ضمت شعراء من مصر والعراق ولبنان وسوريا والمغرب والجزائر والأردن واليمن والسودان (شوقي- الرصافي- بشارة الخوري- بدوي الجبل- محمد الحليوي- مفدي زكريا- الهادي آدم – البردوني- عرار ..).
لكنها لم تحوِ اسما موريتانياًّ واحدا، والسبب يعود إلى أن الموريتانيين، لم يكن لهم اتصال بشعراء المشرق المعاصرين لهم، بل إن المعمَّرين منهم اعترفوا بعدم قراءتهم لأشعار أولئك، يقول المختار بن حامدن في إحدى المقابلات التي أجريت معه قبل رحيله بسنوات قليلة : "أنا لم أقرأ لهذا الذي يسمونه شوقي أو حافظ إبراهيم، أو أي ممن يطلقون عليهم شعراء النهضة في مصر".
وهذا يطرح سؤالا كبيرا، عن رؤية الشعراء الموريتانيين المحدثين، لسنة التطور والتجديد، فهم كانوا يعتقدون أن الشعر جنس أدبي قائم بذاته، ولا يحتاج إلى تغيير في بنيته، نظرا لدور المتلقي في ذلك، يضيف ولد حامدن: "لم أهتم بالتجديد في الشعر، لأنني لا أرى ضرورة لذلك ".
فالضرورة التي يعنيها، هي تلك التي تنبع من المتلقي، فمادام المتلقي يجد لذة في الاستماع (ولا أقول القراءة) إلى مثل هذه النصوص، فما الداعي إلى تغيير نمطها؟.
والحق أن من ينظر في تلك المدونة، التي جابه بها الشعراء التقليديون في موريتانيا، قصيدة الشعر الحر، سيدرك حقيقة فهمهم للشعر كجنس مختلف عن بقية الأجناس.
ومن الصعب أن نتفهم عدم معرفة ولد حامدن لشوقي وحافظ، ذلك أنه ليس تقليديا بالمعنى الوظيفي للكلمة، وإنما كانت له علاقات بمثقفين مشارقة مرموقين، من أشهرهم محمد يوسف مقلد، الذي عبّر في كتابه (شعراء موريتانيا القدماء والمحدثون) عن تلك العلاقة.
وكذلك كان مطلعا على التأليف في لبنان ومصر، بسبب علاقته القوية بالتجار اللبنانيين في السنغال، والذين كانوا أدباء ومتذوقين في أغلبهم.
ومن ثم يكون من الجائز القول: إن موقف ولد حامدن نابع من رؤية نقدية خاصة، لا ترى في شعر الرجلين ما يستحق التقليد أو المحاكاة.
وضدا على تلك الرؤية، نجد صديقا لولد حامدن يهتم بشعر هؤلاء، وهو الشاعر محمد البيضاوي الشنقيطي (هاجر إلى المغرب وتوفي فيه، لكن علاقته بذويه وبشعراء موريتانيا ظلت مستمرة)، فهو – وإن لم يقلد رواد البعث المشارقة – إلا أنه كان معجبا بشوقي وشعره، وربما يعود ذلك إلى التشابه بينهما ثقافيا، فكلاهما كان أرستقراطيا (شوقي عاش في قصر الخديوي) و (البيضاوي كان باشا لمدينة تارودانت، ومقربا من الملك عبد الحفيظ)، وكلاهما زار فرنسا وتعلم اللغة الفرنسية، وكلاهما أعجب بـ (لامارتين)، فهذا التشابه قد يجعل الإعجاب موجودا، إن لم يكن متبادلا.
كان البيضاوي يملي في مجالسه الأدبية، شعر شوقي وأقرانه، فقد ذُكر عنه أنه " أملى مرة قصيدة شوقي في (توت عنخ آمون):
قفي يا أخت يوشع خبرينا
أحاديث القرون الغابرينا
وشرح بإتقان، قصة العثور على مدفن هذا الملك، ورفاته آثاره، ولم يتقدم للحاضرين علم بذلك، فأعجبهم غاية الإعجاب، وفتح لهم أفقا جديدا من الاطلاع، حفّز هممهم للبحث".
وعندما توفي شوقي، كان البيضاوي حاضرا في حفل تأبينه، المقام من طرف شباب جامع القرويين يومها، وقد رثاه بقصيدة، مطلعها :
شعر صريع والبيان قتيل
فمصانع القول البديع طلول
وختمها قائلا:
إن كان في رسل القوافي خاتم
آمنت (شوقي) خاتم ورسول
فالبيضاوي وولد حامدن (تربطهما علاقة صداقة، وقد مدح كل منهما الآخر)، ومع ذلك نجد لكل واحد منهما، نظرة خاصة إلى الشعر الكلاسيكي ومدرسة البعث خصوصا.
وقد يقفز إلى ذهن القارئ، أن اختلاف الرؤية عند الرجلين، يعود إلى عزلة ولد حامدن الجغرافية، وانفتاح بيئة البيضاوي، لكن ذلك ليس سببا مقنعا، لأن اطلاعهما على شعر مدرسة البعث، يكاد يكون متشابها، كما أن خلفيتهما الفكرية والنقدية متماثلة، وهو ما نلمسه في نصوصهما النقدية، التي عثر عليها مؤخرا .
القضية إذن، تكمن في إكراهات المتلقي الموريتاني، مما يجعل ولد حامدن رهين ذائقة معينة، تفرض نمطا إبداعيا ثابتا، وغير قابل للتطور، فيما يمنح المتلقي المغربي للبيضاوي إمكانية أكبر، للتواصل والتأثر.
ولذلك أسبابه أيضا، قد نعرضها في الحلقة القادمة.
آخر تحديث : 20/04/2011 10:49:31

الشعب

آخر عدد : 11593

العملات

15/11/2018 10:39
الشراءالبيع
الدولار36.3736.73
اليورو41.0041.41

افتتاحيات

بمناسبة القمة ال31 للاتحاد الافريقي كتبت الوكالة الموريتانية للإنباء تحت عنوان: قمة التتويج وتعزيز الشراكة
" مرة أخرى يثبت فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز، من خلال احتضان نواكشوط هذه الأيام للقمة

معرض الصور

1
انطلاق اجتماعات الدورة ال 36 للجنة الممثلين الدائمين للاتحاد الافريقي